تصادف أن يكون أول ما أكتب بعد فترة توقف سببها إحباط و"صدة نِفس" غير عاديين في ديسمبر .. نهاية العام .. حيث يحلو للكثيرين أن يستفتي بعضهم بعضاً عن أحوال العام بشكل عام ، وعن أفضل وأسوأ ما في العام ، ومن غرق ومن عام على سطح الأحداث على مدى العام.. لفت نظري شيء أراه مهماً بما أننا في الشهر الأخير من عام يستحق أن تكسر وراءه أكثر من قلة قناوي..شيء له علاقة بـ"قلة الأدب"..
انشغل "الذهن العام" في هذا العام -إلى جانب الفضائح العامة- بمحاولة حل عدد من الألغاز والفوازير التي لا علاقة لها بالمفتش "كورومبو".. من بينها محاولة تفسير أغنية "تامر حسني" "أكتر حاجة...الخ".. ولقيت التفاسير الجنسية لتلك الأغنية رواجاً غريباً بين الناس ، رغم أن الأغنية قد لا تحتمل أي من تلك المعاني بالمرة..
والشيء نفسه ينطبق على كليب السيدة الفاضلة "دوللي شاهين" "لازم يقف"..والذي يصدعنا به "الحاج" "محسن جابر" على قناته ليل نهار .. مستفيداً مما أثير عن تفاسير جنسية لنفس الأغنية (والراجل بيستفيد من كل شيء وأي شيء الصراحة).. ليس فقط على مستوى "الجلسات الخاصة الشبابية" ولكن حتى على مستوى المقالات في صحف ومواقع ذات مصداقية عالية وبرامج "توك شو" شهيرة.. رغم أن بعضاً ممن سمع تلك الأغنية لم يرَ في كلماتها أدنى إيحاء..
السؤال هنا : لماذا يغضب الناس ويصرخون "دي قلة أدب" عندما تكون قلة الأدب ضمنية وليست صريحة؟
كان هناك كليب لمطربة لبنانية مغمورة قد نراها قريباً تمثل في مصر تحركت فيه الكاميرا بشكل أكثر من فاضح وفي سياق غير مبرر على الإطلاق كما لو كان استعراضاً لجمال سيادتها ، ولم يعترض أحد ، كان هناك إعلان لإحدى السيارات لم يخل من مشهد ركز فيه المخرج وبشكل شديد الريبة" و "غير مفهوم" على حركة من الممكن أن تفهم على أنها إيحاء جنسي -بل تجعل من لا يشك يشك- وأيضاً" لم يعترض أحد*.. بينما هاج الناس وماجوا إلى ما "قد" يظن أنه إيحاءات جنسية أم لا!
والسؤال الأهم الذي يفرضه التفكير المجرد: هل صناع تلك "الأشياء" يقصدون تقديم "قلة أدب" من عدمه؟ بمعنى أصح: هل قدموا أشياء فُهِمت في الشارع على أنها إيحاءات جنسية وألفاظ بذيئة إلى آخر ما تضم قائمة ما تعارفنا على كونه "قلة أدب"؟ .. أم هم عمدوا إلى تقديم "قلة أدب" ضمناً وليس صراحةً ليس خوفاً من أجهزة الرقابة والتيارات المذهبية والسياسية القافزة على السطح وشرائح من المحافظين ..قدر ما هو "طعم" لاصطياد انتباه الناس ، أو شرائح من الناس؟
يبدو الاحتمال الأخير هو الأقوى.. فرغم صعود "تيارات دينية مذهبية بعينها" واتساع تواجدها في الشارع .. لا يزال هناك الكثير من الناس بكل أسف يميل إلى التفسير الـ(***) للأشياء.. ليس فقط فيما يتعلق بالفن والميديا والشوبيزنس ، بل حتى فيما يتعلق بآحاد الناس .. ويحلو اللعب أكثر -على سبيل المثال-عندما تكون الضحية في نوع معين من الجرائم امرأة .. لا فرق كبير في ذلك بين "سوزان تميم" و "هبة العقاد" وبين أي فتاة في حي شعبي فقير تتعرض لجريمة مماثلة.. متناسين كل الطنطنة عن القيم والمثل والعادات والتقاليد والأخلاق الحميدة التي نتباكى عليها ليل نهار.. والتي تقتضي بألا نلوك في أعراض أناس لا نعرف عنهم شيئاً.. والظريف والمسلي واللذيذ في كل ذلك أنني عندما أسمع لحوارات من هذا النوع أجدها تنتهي بعبارات من عينة "ربنا يستر على ولايانا" و "دع الخلق للخالق".. جلسة نميمة وخوض في الأعراض تنتهي بذكر الله .. أستغفر الله العظيم..
من المنطقي أن تعمل "الصحف الصفراء" على إشباع هذا الجوع لدى الكثيرين سالفي الذكر بحكم أنها تعيش وتموت على تقديم أي شيء جنسي ، ولا مانع لدى تلك الصحف بالطبع من سب ولعن قلة الأدب .. لكن الجديد واللافت أننا نجد الصحف "القومية" "العريقة" "المؤدبة" تلعب على نفس الوتر من حين لآخر.. صحيح أن مؤسسة مثل "دار التحرير" - التي تصدر "الجمهورية" وأخواتها- "ليها في اللون" منذ فترة طويلة في مجلاتها ومقالات كتاب أعمدتها ، لكن الجديد أن تنحط مؤسسة صحفية عريقة مثل "أخبار اليوم" إلى هذا المستوى وبهذا الشكل ، وهي "تقزقز" لقرائها تفاصيل محاكمة المتهمين بقتل "سوزان تميم" .. متمسكةً بنقل "كل التفاصيل" - قلبهم علينا ومش عايزين يحرمونا من أي حاجة- خاصةً التفاصيل "إياها".. تصادف أن كان كاتب هذه السطور في مصلحة حكومية جالساً مع موظفين يقرأون -وبتلذذ- تلك التفاصيل خاصةً في تقرير الطبيب الشرعي الذي لا أعتقد أن تفاصيله ذات قيمة خبرية أو معرفية ويمكن وبسهولة التغاضي عنها.. ثم تنشر "مطبوعة" "أخبار الحوادث" صورة لجثة "هبة العقاد" مقتولة في عددها 3/12/2008.. إذا كان "القاهرة اليوم" قد رفض نشر صورة "سوزان تميم" ميتة فـ"نحن نختلف عن الآخرين" - مع الاعتذار لـ"كريم عبد العزيز" في فيلم "محطة مصر"- ما بنخبيش حاجة عن الشعب.. ولا ننسَ ما يكتب في تلك الصحف صراحةً وضمناً عن "قيمنا" و "مجتمعنا" .. مع فاصل من "مصمصة الشفايف" هنا .. وهناك..
دائرة مفرغة .. عرض وطلب أشبه بذلك في النماذج الاقتصادية الخيالية التي درستها في الكلية .. حيث العرض بلا نهاية والطلب بلا نهاية .. والسمك مقلي كل وبرق لي .. صنف زي الـ(#$#).. الصنف فعلاً زي الـ(#$#).. ولكن هناك دائماً من يطلبه رغم علمه بأنه كذلك..يقابله على الضفة الأخرى من لديه هذا الصنف "عز الطلب".. عذراً لحدة اللهجة..
* تم سحب الإعلان المذكور في هدوء وبلا أدنى ضجة إعلامية وقد أذيع لأول مرة في أواخر التسعينات أو بداية الألفية.. الصورة من أحد المنتديات..اخترتها لـ"تامر حسني" الذي يمكنه أن يخبرنا - أكثر- عن أغنية "هوة دة" وعن قصده من كلماتها إن كان بريئاً أم لا..
* تم سحب الإعلان المذكور في هدوء وبلا أدنى ضجة إعلامية وقد أذيع لأول مرة في أواخر التسعينات أو بداية الألفية.. الصورة من أحد المنتديات..اخترتها لـ"تامر حسني" الذي يمكنه أن يخبرنا - أكثر- عن أغنية "هوة دة" وعن قصده من كلماتها إن كان بريئاً أم لا..
