
أحييكم من جديد..
خلال الأيام العشر السابقة أتيحت لي فرصة مشاهدة فيلمين دفعة واحدة ، مطب صناعي وقبله خيانة مشروعة ، ونظراً لأن الكتابة عن المطب الصناعي سهلة ففضلت بحكم كوني وش فقر الكتابة عن خيانة مشروعة..
بين قوسين : هناك ميزة كبيرة في أنك تشاهد الفيلم وهو "بايت" أي بعد فترة غير قصيرة من الزوابع التي قد تثار حوله في الميديا ، هذا يجعلك تشاهد الفيلم وأعصابك مستريحة وقادر على إنتاج أحكامك بنفسك!
ندخل إلى صلب الموضوع..
كان خالد يوسف قد شرح منطق الفيلم خلال لقاءات تليفزيونية وصحفية عدة ، وأعتقد أنه قد وفق في شرح ذلك المنطق في تلك اللقاءات أكثر بكثير مما كان عليه الحال في الفيلم!
عندما دخلت السينما كان هناك معجبون بالفيلم ، لدرجة دفعت أحدهم للقول بأنه سيدخله لمرة أخرى لو سنحت الفرصة ، الفيلم - من بعيد - "مليان أحداث" وهو ما لم نعهده أو نتعوده في سينما هذه الأيام..أضف لذلك احتواء قصصه على مفاجآت وتقلبات في الأحداث والشخصيات تشبه السينما الهوليودية التي يقبل عليها عدد كبير من عشاق السينما التجارية(ولعل هذا أيضاً من ضمن الأسباب التي تجعل كثيرين يحبون سينما "ساندرا نشأت" وإن كنت بالطبع لا أشاركهم هذا)!
الفيلم بصفته بوليسيا اعتمد على الفلاش باك ، وكان فيه خط فلاش باك أساسي (الأحداث كما يرويها هشام البحيري - هاني سلامة وهو محكوم عليه بالإعدام) يذكرني بالفلاش باك في فيلم "البرنس" لأحمد زكي والذي تصادف أن أذاعه تليفزيون المستقبل قبل أسابيع.. وداخل الفلاش باك هناك فلاش باكات ثانوية لكل المتورطين في الجرائم التي حدثت في الفيلم ويشكلون قصته..
الغريب في الموضوع هو الطريقة التي ينتقل فيها خالد يوسف - المخرج والمؤلف -بين الماضي والحاضر في بعض تلك المشاهد ، في أحدها يدخل للماضي عن طريق "رجلين الترابيزة" ، وفي آخر يدخل إلى الحاضر من "نن عين" أحد الشخصيات (دلالة على أنه يروي شيئاً شاهده بعينيه).. بعض هذه النقلات طريف بما يمكن قبوله في فيلم كوميدي وليس في فيلم بوليسي!
في مرتين فقط نفذ الأمر بشكل جيد ، الأولى فلاش باك بطله خالد يوسف - غير المقنع كممثل- حيث سلطت الكاميرا على وجهه في حوار له مع شخصية أخرى (المحامي أو هشام البحيري فيما تسعفني الذاكرة) فقط لنفاجأ به دخل لواقعة سابقة كان المتحدث فيها هو صلاح البحيري - وجه جديد لتقطع الكاميرا على خالد بلون بدلة أخرى يتأكد فيها لدينا أننا أمام واقعة سابقة يحكيها أو يتذكرها الموظف الكبير في مجموعة شركات البحيري .. وفي الثانية كان المشهد الذي انهار فيه هشام البحيري - هاني بعد علمه بأنه قد تعرض لخدعة قتل على أساسها شقيقه الذي استولى على نصيبه في الميراث فقط حماية له من استهتاره .. وهو أعلى مشاهد الفيلم من وجهة نظري الشخصية المتواضعة جداً..
نعود لفكرة الفيلم ، والتي عبر عنها خالد يوسف بقوله ما معناه أننا نبحث عن مبررات تسوغ لنا كل الأشياء التي نفعلها بحيث نعتبرها مشروعة..
عمم يوسف على تسعة وتسعين بالمائة من شخصيات الفيلم تلك النظرية ، بدءاً من هشام الذي قتل شقيقه وزوجته بدافع الشرف ، والمحامي المتلاعب على القانون بدافع الولاء لموكله ، والمنحرفة التي لديها ألف مبرر للانحراف (من وجهة نظرها .. فهناك من هم أكثر فقراً ولم يجرب اللعب بذيله!) ،والموظف الكبير (اللي شايف وساكت) حفاظاً على وضعه ومكاسبه، وضابط الشرطة الذي يلجأ للتعذيب لانتزاع الاعترافات ، نهاية بالصحفية التي كانت تستدرج هشام البحيري إلى الفخ (على جنب : مش واسعة شوية الظروف والملابسات اللي اتجوزت فيها صحفية مدافعة عن حقوق المجتمع حرامي معلوم الفساد زي صلاح البحيري؟.. وبعدين عائلة في مقايسات البحيري ليه مغرمة بالجواز من أوساط اجتماعية أقل بيصفوها بإنها "بيئة"؟)..كان يفترض أن يعرف أن الرسالة قد وصلت ..
ولكن ذلك فيما يبدو لم يكن كافياً من وجهة نظر خالد يوسف الذي أمعن في التعبير عن فكرته بشكل مباشر ، نجده في جملة حوارية مثلاً عن شهد - سمية الخشاب يصف فيها هشام - حاكياً- تلك الشخصية بأنها لديها المبرر الجاهز لجعل كل ما تفعل مشروعاً ، بشكل مباشر ومدرسي..كذلك المشهد الذي انتزع ابتسامة اثنين من الجالسين خلفي وهو مشهد احتضار البحيري الكبير ، حينما يقول له صلاح أن ما يفعله هو خيانة ، فيرد عليه الأب بأنها "خيانة مشروعة"!
لا أستسيغ كمشاهد تلك العبارة من مجرد شخص بدأ حياته كعامل بسيط ليست تلك حصيلته اللغوية بالمرة.. تماماً مثل شخصية رجل أمي شبه معدوم الثقافة وهو ينطق بإتقان شديد وبلا خطأ لغوي واحد مقطعاً من "هاملت"! ليست تلك العبارة بين رجل يحتضر وابنه ومحاميه المقرب إليه ، وعادة لا يلجأ أصحاب الخلفيات شديدة التواضع لتلك العبارات بينهم وبين "بعضتشيهم".. دة ما كانش ناقص إلا إنه يقولها : هذه خيانةُ مشروعةُ يا ولدي!
صحيح أننا نبحث عن مبرر يريح ضمائرنا قليلاً نسبغه على كل المصائب والبلاوي التي نفعل ، لكن هل كل الخيانات مشروعة حتى من وجهة نظر مرتكبيها؟ مفيش واحد بيخون من الباب للطاق ، رزالة يعني ، واحد طيب شوية بس فيه شوية شر وبيعمل اللي بيعمله مثلاً من باب اللعب (حسن سبانخ في الأفوكاتو مثلاً)؟
كان من الممكن أن يخرج الفيلم أفضل بكثير لو أنه تفادى الربط المباشر والمدرسي بين الجرائم وبين "ظروف المجتمع" .. فمبرر شهد للـ"خيانة" قصة طويلة عريضة عن الخصخصة والمعاش المبكر والفقر المدقع والبطالة .. وماضي البحيري الكبير الذي كان من الممكن اقتضابه وتوصيله بشكل غير مباشر على أنه مثل معظم شخصيات الفيلم لا يعدم حيلة في إيجاد المبرر اللازم لكل أفعاله.. لا وإيه .. أضف لذلك كله لمحات عن الفساد ودور الصحافة والتعذيب وأغاني أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام..ووجود إبراهيم عيسى وجريدة الدستور المقحم داخل الفيلم ، وكذلك السياسي كمال عيطة.. هل يريد خالد يوسف أن يذكرنا بناصريته مثلاً؟ (عموماً هو يفعل ذلك بشكل أقل فجاجة من بعض أدعياء الكتابة في التليفزيون)..
ليست جريمة أن يكون الفيلم البوليسي مجرد فيلم بوليسي ، جريمة لا تفيد وعقاب أكيد ، دون تحنجر أو بحث عن مضمون سياسي من اللاشيء ، الكثير من أفلام كمال الشيخ كانت مجرد أفلام بوليسية متقنة الصناعة دون تكلف أو حنجوري ولم يتهمها أحد بالتفاهة والسطحية.. والتسييس لا يكون دائماً من حسن الفطن!
تكلفة كبيرة ، ومجهود ملموس في التمثيل والتصوير والموسيقى (للمتمرس ياسر عبد الرحمن) وحتى في تصميم الشخصيات ومواصفاتها، لكن "خيانة مشروعة" بأمانة يبقى ضمن أفلام كثيرة لم تكن على مستوى الضجة التي تصاحبها..لقد قال خالد يوسف في دقيقتين ما لم ينجح في توضيحه وشرحه بدقة طوال ساعتين من الزمن تقريباً!
ختاماً..لأن وجهة نظري لا تكفي ، أترك لكم ,وجهات نظر أخرى في الفيلم ، الأولى لموقع
في البلد أما الثانية فهي للزميل
سولو في مدونته كيس فيشار ، والصورة من عنده بالمناسبة..والثالثة وجهة نظر زميلتنا العشريناتية
مي كامل..