في قصة للساخر الكبير الراحل "يوسف عوف" تحولت لاحقاً إلى مسرحية في أواخر حياته* أقنع أحد محاربي حرب أكتوبر السابقين "صابر الطيب" بطل القصة بأن له نصيباً في مصر وأنه يجب أن يشرف على كل شيء في نصيبه..وكان من ضمن نصيب الرجل الطيب الذهاب إلى مسرح للقطاع الخاص وقت أن كان في أوج عنفوانه ليجد زبوناً من بلد عربي شقيق من الذين يزورون مصر في هذا التوقيت من العام يعد الضحكات التي ضحكها في المسرحية .. ليجدها أقل بكثير من الرقم الذي وعد به منتج المسرحية إياها .. ويتذمر الزائر الشقيق قائلاً أنه قد تعرض لحالة غش فني تجاري لأن كمية الضحك كانت أقل بكثير من الكمية التي زعمها المنتج..
وهو نفس شعور كاتب هذه السطور..
فكما وعد منتج المسرحية في القصة سالفة الذكر متفرجيه بمليون ضحكة مشفيين بلا عظم أو زوائد .. وعدنا منتجو السيت كومز التي تساقطت فوق رءوسنا كمطر يناير بما يشبه ذلك.. وأشعر أن كثيراً منا قد تعرض لنفس عملية النصب التي تعرض لها السائح..
والسيت كوم طبقاً لدستور الفهلوة في بلادنا التي تَضْحَك من الغيظ لقب يطلق مجازاً على كل مسلسل قصير لا تزيد مدته على الربع ساعة ، تنتفش إلى نصف الساعة بوجود فواصل إعلانية .. هو أشبه بقطعة البيتزا كما يصفها الفنان الكبير "محمد صبحي" : حتة عيش بايتة عليها شوية خضار.. وهي بالنسبة لعاشق للمخبوزات مثل العبد لله لا تسمن ولا تغني من جوع..
تاريخياً - مع الاعتذار للإعلان الإذاعي السمج- نشأ السيت كوم في أحضان المسرح رغم أنه ولد في الإذاعة.. وهو مجرد مسرحية متلفزة قصيرة مبنية على مواقف وتعتمد في جزء كبير منها على حضور الممثل وفهمه للشخصية وقدرته على الإضحاك.. وهي بالفعل تصور فيما يشبه خشبة المسرح كما يلاحظ في Friends و Becker بالذات.. ولكي يكتمل الجو كان من الطبيعي أن يكون هناك جمهور في المسرح يشاهد - أو يخيل لنا أنه يشاهد - تلك المسرحية القصيرة التي يضحك عليها.. ولذلك بدأ منتجو تلك المسلسلات أو المسرحيات القصيرة في إضافة "تراك" ضحك في الإذاعة وحتى عندما انتقلت إلى التليفزيون في أربعينيات القرن الماضي ، ولا يمنع ذلك من استعانة بعض منتجي المسلسلات بجمهور حقيقي كما كان يعلن ذلك منتجو Happy Days أحد أشهر السيتكومات في التاريخ.. صحيح أن بعض تلك السيتكومات خارج الولايات المتحدة الأمريكية كانت خاليةً من أي تراك ضحك حقيقي أو مصطنع ولكن التقليد استمر باستمرار وجود التراك إلى لحظة كتابة هذه السطور..
الـsitcom إذن هو عين في المسرح وعين في التليفزيون .. باختصار شديد..نقطة أنطلق منها إلى الحال عندنا..
في أوائل القرن الماضي بدأ المسرح بالاقتباس من الخارج ، مثلما بدأ السيت كوم عندنا أيضاً بنفس الطريقة .. ثم مع الوقت بدأت شخصية المسرح المصري تظهر وخاصةً في الكوميديا أكثر أنواع المسرحيات رواجاً في بلادنا وفي أنحاء كثيرة من العالم .. وظهر له في البداية ممصرون كبار من أمثال "بديع خيري" وآخرون، ومن بعدهم ظهر كتاب نجحوا في صنع أعمال مصرية صرفة من أمثال "بهجت قمر" و "أبو السعود الإبياري" ومن بعده "عبد الرحمن شوقي" و "فيصل ندا" و "سمير عبد العظيم" و "لينين الرملي".. أما السيت كوم عندنا فاستسهل صناعه واستحلوا البقاء في دائرة الاقتباس الطويلة ، من دون المقاومة التي كان يبديها "بديع خيري" عن طريق التمصير المحكم للنصوص الفرنسية..
بقاء السيت كوم في مصر في أحضان التجارب الأمريكية كان سبباً رئيسياً في عجزه عن انتزاع ضحكات حقيقية .. "سعيد صالح" حكى ذات مرة عن تغيير إفيهات في مسرحية "هاللو شلبي" المقتبسة عن نص فرنسي لأنها قد تضحك الفرنسيين لكنها غير ذات تأثير مع المصريين .. والشيء نفسه مع المواقف نفسها والعلاقات بين الشخصيات ..
رغم أننا كما يقال عنا شعب "ابن نكتة" إلا أننا فشلنا في صناعة سيتكوم مصري مضحك .. رغم امتلاء الواقع المصري الاجتماعي بمساخر "توقع من الضحك" إلا أن صناع السيتكوم ونحاتيه آثروا البقاء في جلباب Dharma and Greg و Friends وأخواتهما.. كأنك تشاهد نسخاً معرَّبة من تلك المسلسلات أكثر من أي شيء آخر.. رغم أن قوة وتأثير السيتكوم في بلاد منشئه تنبع من كونها من صميم مجتمعات تلك البلاد..أضف إلى ذلك أنه في سيتكومات الخارج فإن تراك الضحك يتم استخدامه بذكاء وحرفية في المواضع التي يُتَوَقَّع منها ضحك ، وإن كان بعض صناع تلك السيتكومات انتقدوا هذا الأسلوب بحجة أنه محاولة للتوجيه والإضحاك بالإيحاء.. أما عندنا فنرى هذا التوجيه وذلك الإضحاك بالإيحاء بشكل مباشر وعلى عينك يا تاجر ، وفي أماكن ومواقف يصعب أن تضحك الشخص العادي.. ولنا في فاجعة "شباب أون لاين" درس وعظة!
هل هو الاستسهال الذي رأيناه ونراه في "تامر وشوقية" و "راجل وست ستات" و "كافيه تشينو"؟ هل هو العقم الكوميدي الذي بدأنا نعانيه ونحن البلد الذي قدم ثلثي عظماء الكوميديا في العالم العربي كتابةً وتمثيلاً وإخراجاً؟ لا عين تشاهد ولا فكر يبتكر ولا خفة دم؟ الله أعلم.. المهم أن ما يقدم على موائد الضحك خاصة أطباق السيتكوم هو مجموعة من قطع البيتزا- منزوعة النِّفس!
ذو صلة: وقد يرى من يتفقون مع محمد بركة ما كتبت نوعاً من القسوة والتجني.. لكني مقتنع تماماً بما سبق.. مع اعتذاري لمحبي البيتزا :)
* أعني بها "مين يشتري مصر" التي نشرتها الدار المصرية اللبنانية.. الصورة من موقع "نادي المزيكا"
* أعني بها "مين يشتري مصر" التي نشرتها الدار المصرية اللبنانية.. الصورة من موقع "نادي المزيكا"