Monday, January 12, 2009

كاسك يا وطنطن


1-كان الشاعر "بهاء جاهين" موفقاً إلى أبعد حد ممكن عندما سخر من الأغاني الوطنية في فيلم "سمع هس" بأغنية وطنية في اللذاذة يقول مطلعها : أنا وطني وبانشد وباطنطن.. واتباهى بحبك يا وطنطن.. وكان رد مغني الأغنية في الفيلم -مطرب الأوبرا "حسن كامي"- مقنعاً عندما سأله "حمص"- لعبه "ممدوح عبد العليم"- عن المقصود بـ"وطنطن".. "بأدلع الوطن"!

لا فرق بين تسعين بالمائة على الأقل من الأغاني الوطنية التي نعرفها - وليست الأغاني الوطنية الحقيقية - وبين أغنية فيلم "سمع هس".. لا في الشكل ولا في المنطق.. فالأغاني الوطنية التي نعرفها هي أكثر الأغاني كذباً وافتعالاً وتشنجاً واشتغالاً .. ذلك أنها لا تنطلق - عادةً - من حب أو إيمان بالوطن قدر ما هو انتفاع ورغبة في الانتفاع به.. فالمنتفع والمرتفع "ما يقولش إيه ادتنا مصر" لأنه قد أخذ واستفاد بالفعل ، ولا يقول "حندي إيه لمصر" لأنه ببساطة لن يعطيها أي شيء!

2-والأغنية الوطنية التي نعرفها تخرج كل عفاريت التفسير السياسي للفن من قماقمها ، وعلى حق وليس على سبيل الاستنتاج والتخرص ، فمن الصعب أن ننكر أن الأغاني الوطنية على مر تاريخ بلد عريق كمصر ارتبطت وبشكل وثيق بالنظم السياسية التي حكمت البلاد ربما منذ أيام الخديو إسماعيل وحتى اللحظة.. وبتغير الزمن والظروف والنظم تغيرت بدورها قواعد اللعبة ، من شعر المناسبات التقليدي الرصين إلى أغاني عبده حريقة ، ومن المجاملة المستترة إلى النفاق المستفز-خاصةً في الفترات التي كان فيها الفن ككل دعائياً وموجهاً- وكلمة السر في كل الحالات واحدة .. علامة اليساوي الكبيرة بين "الوطن" و "النظام السياسي" في كل عهد ومرحلة ، حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة السياسية في مصر وفي العالم العربي ككل..

أضف إلى ذلك كون السواد الأعظم من مؤلفي ومطربي تلك الأغاني من "جمعية المنتفعين بالوطن".. منهم من كان مقرباً للسلطة ومنهم من تمتع بامتيازات في عهدها ومنهم ومنهم..ولذلك فإن أعمالهم تتميز بالحرقة الشديدة .. تلك التي تناسب الحب القائم على أساس المصلحة .. الوصف الأدق لعلاقة بعض الناس في الموالاة والمعارضة وحتى في الشارع بالوطن.. تلك كانت القاعدة ولكل قاعدة شواذ .. فالعديد من كتبوا أغانٍ وطنية حقيقية لم ينتفعوا بالوطن بالقدر الكافي ولم يقيموا صداقات قوية مع كل نظام ولم يركبوا الموجة .. بما أن العاطفة لديهم لا ترتبط بمفهوم المصلحة..

2-هناك حقيقة يجب أن نضعها بعين الاعتبار عندما نتحدث عن الأغنية في مصر.. وهي أن أغلب الغناء المصري عاطفي موجه لحبيب أو لحبيبة ، وبالتالي كان لذلك تأثيره حتى على الأغنية الوطنية ، قد يرجع ذلك لكون صورة "مصر" في الوجدان الشعبي المصري هي المرأة "الخصبة" "الولود" -بحسب ما كتب "نائل الطوخي" منتقداً "أحمد فؤاد نجم" في تدوينته الهامة والمثيرة للجدل "في مذمة العدو الأكثر بلاغة"-وهو ما قد يتماشى مع السائد في الشعر الغنائي المصري : أن توجه القصيدة للحبيبة ، سواء على سبيل الغزل العفيف ، أو غير العفيف..

الحال بالنسبة لشلة "عبده حريقة" أسوأ وأكثر سطحية.. تخيل أن "معتز أبو العز" يكتب أغنية يتغنى فيها بجمال "الشاويش نفيسة" في "حكاية ميزو".. (و"معتز" لا يظهر تلك المشاعر لـ"الشاويش نفيسة" حباً فيها لا سمح الله).. "مصر" ليست "الشاويش نفيسة" بالطبع ، لكن كما أن "معتز" يريد الانتفاع بـ"الشاويش نفيسة" يريد هؤلاء الانتفاع بـ"مصر"- النظام هنا..

النتيجة هي فاصل من الافتعال الزاعق "بحبك يا مصر بحبك بحبك بحبك" ، "يا بلدي يا ولدي يا مش عارف إيه" ... والصور المباشرة فاقعة الركاكة "يبقى أنت أكيد أكيد في مصر" .. ويطفح ذلك كله على اللحن.. ومع "الحراك السياسي" تغير شكل الانتهازية الغنائية ليتماشى مع خط "الفكر الجديد" .. لتعود نغمة الوعظ والإرشاد مرة أخرى "لو بتحبوا البلد دي خلوا عيونكم عليها" .. والتي ظهرت في أغانٍ وطنية قديمة مثل "يا حبايب مصر" ..

وعندما تقتضي الضرورة الغناء لقضية عربية كالقضية الفلسطينية أو لمقاومة الاحتلال والعدوان في العراق ولبنان نرى هؤلاء في الموعد ، بنفس الهيستيريا والتشنج الذي يحول أعمالهم التي تفلت من الـ Recycle Bin إلى إفيهات ونكت..

3-للأغاني الوطنية عدة استخدامات في مصر ، تستخدمها مجموعة من المبدعين الرسميين لتوطيد صلاتهم بالنظام (وندم بعضهم على ذلك بعد بعض الإحباطات الكبرى كما كان حال "جاهين" بعد النكسة) ، ويستخدمها المبدع الوافد في محاولة توطيد علاقته بالسوق ، والنظام (لعبة يلعبها المطربون العرب في مصر والمصريون في باقي بلدان العالم العربي وتنتشر هذه الأيام أكثر في بلدان البترودولار) ، وللإذاعة قبل (وبعد) مباريات كرة القدم والفوز بأي جائزة تأتي من بلاد الفرنجة، وكمواد خصبة للسخرية .. وهو أنجع استخدام لأغاني تغنى على الوطن .. وليست له..
* الصورة من "في الفن"

3 comments:

رابطة هويتي اسلامية said...

شارك معنا في حوارنا
غزة في قلب مدون
مع المهندس : الحسيني لزومي
الحوار موجود علي الرابطة شارك معنا في الحوار
كن إيجابيا وحاول المشاركة في إنشاء بلوجر فعال
حوارنا مستمر مع المهندس
متي دخلت سجل تعليقك بسؤالك أو إستفسارك بالنسبة للمهندس
مع تحيات
رابطة هويتي إسلامية

blackcairorose said...

اسمتعت بالرأى كالعادة واسمح لى اقول كلمتين فى هذا الموضوع

الاغنيات الوطنية بنتكلم فيها عن بعدين:

البعد الاول جمالي خاص بالشعر ووالموسيقى ومدى التميز الفنى فيهم

البعد التاني واقعي خاص بمدى تطابق او صدق الاغنية مع الواقع

فيه اغنيات وطنية جميلة ولكنها لا تتطابق مع الواقع فبتفضل مع ذلك حلوة ولكن مش صادقة، وعلى فكرة فيه اغاني حتى للعظيمة فيروز اتهموها انها تسير فى واد غير الذى تسير فيه لبنان، وخاصة اغنية رائعة مثل لبنان الأخضر والتى قرأت مرة انتقادا شديدا لها بأنها كانت تتحدث فى الستينات عن لبنان لا يمت بصلة لواقعه

وفى مقابل هذا، ففي رأيى الشخصي أن هناك أغنيات قد تكون صادقة ولكن مستوى اللحن أو الشعر غير مميز تماما، وفى هذا الشأن أرى أن بعض اغنيات الشيخ أمام قد تكون صادقة جدا فى شعرها ولكن ينقصها الابداع فى الموسيقى او التجديد الموسيقى فتظل اغنيات صادقة ولكن أدنى من المستوى الجمالى المطلوب

اما الاغنيات الوطنية التى نسمعها فى مصر منذ تلاتين سنة تقريبا فهى ممجوجة وفقدت بعدها الجمالى وايضا بعدها الواقعى، لم تعد ذات معنى ليس فقط لمن يغنيها ولكن ايضا لمن يسمعها

الاستثناءات موجودة ولكنها قليلة فى اغنانينا

وطبعا هناك اغاني المناسبات والتى عادتا ما ننساها بعد ساعات من انتهاء المناسبة

قلم جاف said...

العزيزة بلاك كايرو روز:

فيه اغنيات وطنية جميلة ولكنها لا تتطابق مع الواقع فبتفضل مع ذلك حلوة ولكن مش صادقة،

مثل ذلك أو ما يقرب منه أغاني من عينة "محلاها عيشة الفلاح" أو "النيل نجاشي".. لا يمكن لعاقل مهما بلغت درجة اختلافه مع ثورة 23 يولية أن يصدق أن عيشة الفلاح قبل تلك الثورة كانت بهذا الشكل!

بداخل كل فنان "حقيقي" رغبة في عمل شيء "جميل" .. وكم يصبح هذا الشيء جميلاً لو وازن تلك الرغبة فكر ووجهة نظر وصدق فني.. لكن المشكلة في أنه حتى لدى الكثيرين من حسني النية لا نرى هذا الاتزان..

وقد يصنع الزمن الفرق بين الأغنية والواقع.. مثلاً عندما قدمت أغنية "مصر النسيم في الليالي وبياعين الفل" التي كتبها "صلاح جاهين" بدت تلك الصورة الرومانسيكية طحن مخالفةً تماماً للصورة التي يراها مصري هذه الأيام لبلاده.. قد يكون الإحساس وقد تكون المفردات متسقة مع الفترة التي كتب فيها "جاهين" ما كتب .. لكن دلوقت .. صعب..

أتفق معكِ أن الاستثناءات قليلة في الغناء الوطني المصري بالذات .. وأخشى أن تكون أقل مما نتخيل..