Showing posts with label دقي يا مزيكا. Show all posts
Showing posts with label دقي يا مزيكا. Show all posts

Friday, December 07, 2012

عمَّار الشريعي

تنعي "فرجة" بمزيد من الأسى كل جمهورها ، وكل عشاق الفن في مصر المحروسة والعالم العربي ، في رحيل واحد من أهم الملحنين وواضعي الموسيقى التصويرية المصريين "عمار الشريعي" الذي وافته المنية اليوم السابع من ديسمبر .. ربنا يتغمده برحمته ويرحم موتانا أجمعين..
* الصورة من معالجة العبد لله..

Tuesday, November 20, 2012

الفور إم : باعة الفرح

لن أوغل في تحليل موسيقى "الفور إم" كواحد من أكثر الفرق شعبية لدى جيل الثمانينات ، ولن أحاول البحث عن فلسفة عميييييقة في أغانيهم كما كان الحال مع فرق غنائية أخرى ظهرت في نفس الفترة التي ثارت فيها الأغنية المصرية على فرديتها وفتحت ذراعيها ولو لسنوات معدودة للعمل الجماعي ، فقط أكتفي مبدئياً بالقول بأن ذلك الفريق يقدم الموسيقى الأكثر مرحاً وبهجةً بين كل الفرق الأخرى..

"عزت أبو عوف" الذي لا يعرف الكثيرون أنه كان عازف الأورج في أيقونة "نجاة" "آه لو تعرف" بدأ حياته الفنية بعد هجره للطب وربما قبلها بالعمل في مصنع النجوم "بيتي شاه" قرر بعدها تكوين فريق غنائي مكون منه وشقيقاته .. وهو واضع موسيقى تصويرية جيد ، ومن أشهر أعماله القليلة مسرحية "الدخول بالملابس الرسمية" والكوميديا التليفزيونية الكلاسيكية "حكاية ميزو" وأفلام بعضها تليفزيوني وبعضها سينمائي قبل أن يتحول إلى التمثيل بعد تفكك الفريق ويرأس لاحقاً مهرجان القاهرة السينمائي الدولي!

وكما كانت "فرقة المصريين" هي محطة انطلاق الراحل الجميل "عمر فتحي" كانت الفور إم هي منصة انطلاق "محمد فؤاد" الذي تأثر في بداياته الفنية بموسيقى "الفور إم" في فترة ما قبل ألبومه الغنائي المدوي "إسألي" والتي بدأت به مرحلة جديدة في تاريخه الغنائي ، قدم مع "الفور إم" أغان منها "أنا سلطان زماني" التي أعاد الموزع "معتز بسيوني" توزيعها من جديد في نهاية القرن الماضي ، وأغنية "متغربين" التي حملت اسم أحد ألبومات "الفور إم"..

قدمت "الفور ام" ثمانية ألبومات غنائية منها واحد للأطفال ، في فترة شهدت ألبومات غنائية أخرى للأطفال منها "الديك الشركسي" للراحل "يونس شلبي" وبعض أغانيه كانت - ما تستغربوش - للشاعر الراحل الرائع "عصام عبد الله" .. مستغلين نجاح موسيقاهم التي غزت المصايف والحفلات على مدى فترة سطوع هذا الفريق الغنائي الشهير.. بل -برضه ما تستغربوش- قدموا أغنية "جدو يا طيب يا بو عصاية" التي غناها لاحقاً "محمد منير" بلحن آخر عام 1993 في ألبومه الشهير "الطول واللون والحرية".. لتصبح من الأغاني المصرية القليلة التي أعيدت بلحنين ، منها "أنا ما اتنسيش" التي قدمت قديماً وأعاد الموسيقار "زياد الطويل" تلحينها..

موسيقى مرحة بتنفيذ غربي ، جملة تلخص ببساطة فلسفة أكثر فرق الثمانينات مرحاً ، حتى وهم يعيدون توزيع "الليلة الكبيرة" ، بقوا في توزيع عدد كبير من أغانيهم مع الإيقاع "المقسوم" الذي يعد الإيقاع الرسمي للأغنية المصرية على الأقل في تلك الفترة ، وكانت كلمات الأغاني في مجملها خفيفة غير محملة بمضامين فكرية وفلسفية كما كان الحال مع "المصريين" وأحياناً مع "الأصدقاء".. صنعت جزءاً لا يستهان به من ذكريات من كانوا أطفالاً في الثمانينات - ككاتب هذه السطور - ومن كانوا شباناً في ذلك الوقت..

ربما تحاكم فكرة الفور إم الآن بمعايير مختلفة ، ويتساءل البعض عن المبرر الذي يكون فيه شخص فريقاً عائلياً كهذا ، لكن دعونا نستمع إليها كما استمعنا إليها صغاراً من قبل ، إلى الأغاني المرحة كما عرفناها وأحببناها..
* الصورة من الموقع الجدع قوي معانا dvd4arab.. منجم صور لا ينضب :)

فرقة "طيبة" والغواصة الصفراء

من الصعب أن نواصل تدويناتنا عن فرق الثمانينات دون أن نأتي على ذكر فرقة "طيبة" ، أحد أهم تلك الفرق وأسوأها حظاً على مستوى الفترة بكاملها..

كوّن "طيبة" الشقيقان "حسين" و "مودي الإمام" كواحدة من الفرق الغنائية التي ظهرت في مصر في تلك الفترة، ومر عليهما لبعض الوقت - صدق أو لا تصدق- "أحمد عز" أحد أكبر رجالات الحزبوطني فيما بعد ، واحد من طابور طويل من المشاهير بدأ من الموسيقا لينتقل لمجالات أخرى.. وإذا كان "صلاح جاهين" هو من صاغ دماغ فرقة "المصريين" ، فإن دماغ "طيبة" صنعها شاعر كبير فناً صغير سناً هو الراحل "عصام عبد الله"..

إذا كانت الويكيبيديا تقول أن الفرقة قد أسست في العام 1984 ، فإن تلك المجموعة عملت معاً ودون اسم محدد قبلها بثلاث سنوات ، ولعل الشيء الوحيد من حسن حظ تلك الفرقة أنها الوحيدة من بين كل الفرق الغنائية المصرية التي قدمت نفسها في السينما ، وبفيلم هام جداً ومثير للجدل هو "أنياب" للمخرج الراحل "محمد شبل" ، ولأنه هام جداً ومثير للجدل فلا تجد فضائيةً تعرضه إلا فيما ندر جداً ، ليدخل غيابات النسيان مثله مثل إنتاج الفرقة الذي اقتصر على ألبومين اثنين فقط هما "الدنيا صغيرة" و "الحب حكايتي"..

تجربة ما قبل "طيبة" تعيد إلى الأذهان فيلم "الغواصة الصفراء" (1968) وهو فيلم فانتازي موسيقي ينتمي لفئة الرسوم المتحركة من بطولة موسيقى فريق البيتلز ، أحد أشهر الفرق في التاريخ ، الفيلم الذي وصف بأنه بداية تحرر الرسوم المتحركة من عالم الأطفال لاستخدامها في قوالب أخرى من السينما ، وبقدر ما كان مطربو العرب بدءاً من "محمد عبد الوهاب" إلى أحدث الأسماء التي دخلت التجربة مقبلين على السينما ، بقدر ما تهيبت فرق أخرى ، أو لم يخطر ببالها ، دخول المجال السينمائي ، خوفاً ربما من الفشل بحكم أن للسينما معايير أخرى ، أو من سوء الحظ الذي لازم أسماء عاصرتهم في المجال السينمائي ، فلم يوفق "هاني شاكر" كممثل في "هذا أحبه وهذا أريده" ، ولم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للراحل "عبد اللطيف التلباني" أو الراحل الآخر "عماد عبد الحليم".. وبدت خطوات "عمر فتحي" شديدة الحذر ولم يمثل إلا فيلماً واحداً هو "رحلة الشقاء والحب".. ولم يكن أمامه مزيد من الوقت للتفكير في مغامرة أخرى..

قصر الكلام ، اكتسبت أغاني "طيبة" من روح "عصام عبد الله" الوثابة المنطلقة ، واستخدامه المبتكر للكلمات بشكل جعل "صلاح جاهين" يصفه بأنه مستقبل الأغنية في مصر ، "عصام" كتب معظم أغاني "أنياب" باستثناء "يا لهو بالي" لـ"أحمد عدوية" ، حتى "عدوية" غنى من موسيقى ثنائي "طيبة" في الفيلم وشارك في أغنية الختام ، كما عاد "عصام" للعمل مع "مودي الإمام" بعد أن انحل الفريق قبل واحد وعشرين عاماً في فيلم "الأقزام قادمون" مع صديقهم المشترك المخرج الكبير "شريف عرفة" وكان بداية هذا الأخير السينمائية..

انتهت "طيبة" ، اختفت أغانيها ، يحاول "مودي الإمام" البحث عن نسخ صالحة للتسجيلات ، يسير كل من الشقيقين في اتجاه ، يلحن "حسين الإمام" ويمثل أحياناً ، ويتألق "مودي الإمام" في الموسيقى التصويرية ويصبح أحد أهم سحرتها في دراما اليوم ، حتى غواصة الفريق الصفراء لا تزال في قلب البحر إلى الآن..
* الصورة من ويكيبيديا..

Thursday, October 18, 2012

فرقة الأصدقاء : مشروع التمرد المشروع

الفرق بين "الأصدقاء" و"المصريين" هو الفرق بين الإصلاح والثورة ، الثورة تعنى بهدم كل ما هو قديم وإعادة بنائه من جديد على أسس مختلفة ، بينما يعنى الإصلاح باستخدام المكونات الموجودة بشكل مختلف لتحسين أدائها ككل ..

"عمار الشريعي" ، عازف الأوكورديون الموهوب(1) الذي هجره إلى العود ، لتصبح ضربة عوده أبعد من كونها بطاقة شخصية ، هو رمز للتجديد المحافظ في الموسيقى المصرية ، ربما أكون مخطئاً لكن هكذا هو تقديري ، يعد امتداداً لحركة موسيقية غنائية تقليدية ، استمد لغته الموسيقية ليس فقط من التراث والفلكلور ، بل أيضاً من طابور طويل من الملحنين الذين صنعوا شكل الأغنية التقليدية الجماهيرية المصرية ، طابور بدأ بـ"سيد درويش" و "السنباطي" و "القصبجي" و"زكريا أحمد" مروراً بـ"كمال الطويل" و "الموجي" و "منير مراد" و "سيد مكاوي" ، أعاد توظيف ذلك الإرث بشكل جديد يناسب العصر ، وبتكنولوجيا كان من أول من قدموها في مصر والعالم العربي ، ولكن مع الاحتفاظ بنفس الروح المحافظة التقليدية .. المفارقة أنه في الوقت الذي كان يؤلف فيه "هاني شنودة" على الكيبورد ، كان العود ، الآلة التي ترمز لتقليدية الموسيقى العربية وتقاليدها ، الآلة المفضلة لـ"الشريعي" ، والتي تحولت علاقته بها إلى علاقة إنسانية أكثر منها فنية..

حتى عندما قرر "عمار الشريعي" التمرد على نفسه وعلى شكل الموسيقى التقليدي خاض تمرده بشكل محافظ ، استلهم في فرقة "الأصدقاء" روح "الثلاثي المرح"-تجربة "علي إسماعيل" الملهِمة- وهو يختار مطربي فرقته الثلاثة ، الشباب الدارس للموسيقى ، والأصدقاء على المستوى الشخصي "منى عبد الغني" و"حنان" التي اعتزلت واختفت ، و"علاء عبد الخالق".. كان الثلاثة في الواجهة كما كان الثلاثي المرح ، في الوقت الذي لا نعرف فيه الشيء الكثير عن مطربات "المصريين" وعن المطربين الذين حلوا بطريقة "الترانزيت" على "المصريين" من أمثال الراحل الجميل "عمر فتحي" .. خدم ظهور الثلاثي أفراده عندما قرروا الاستقلال فيما بعد ، لأن الجمهور تعرف إليهم بشكل أفضل ، بحكم كونهم "في الوش"..

وأمام دماغ "صلاح جاهين" الثورية الدائمة التمرد كانت الدماغ الإصلاحية لدى "الأصدقاء" هي ما صاغ رؤية الفريق وخطابه الغنائي للناس ، بدءاً بـ"عمر بطيشة" الإذاعي المتمرس والشاعر الذي كتب للأسماء الكبيرة في ذلك الوقت ، ومروراً بـ"سيد حجاب" الذي يشبه "عمار" في كثير ، الشاعر الذي جعل الدراما ديوانه ، والذي سأكتب عنه بإذن الله بشكل مستقل ، استلهم هو الآخر لغته من التراث الشعبي القديم ولغة الناس ليصيغ بها كلمات عاشت في وجدان من سمعها.. وإن كان أضاف لها بعداً درامياً ، سواء على مستوى الحكي أو على مستوى الحركة بعد غلف كثيراً مما كتب فيمَ بعد..

لم تستمر "الأصدقاء" طويلاً ، وإن كان ذلك أمراً متوقعاً بما أنه في الموسيقى المصرية التقليدية والتي - كشأن التراث العربي - لا تعترف بالعمل الجماعي ، لا تعيش الفرق فترات زمنية طويلة ، بل إن ما فاجأني أن عمر الفرقة الغنائي بدا أكثر مما توقعته وأعرفه ، أربع ألبومات ، لم نعرف منها إلا ما أذيع ، ويحمل روح الفرقة ككل ، ولم تحلق طيور "الأصدقاء" الثلاثة طويلاً رغم معرفة الجمهور بهم.. خان "منى عبد الغني" ذكاءها كثيراً ، ولم يصادف التوفيق "حنان" ، ووجد "علاء عبد الخالق" نفسه في مرمى مولد التكفير الغنائي والموسيقي للأغنية الشبابية ، وبرغم عنايته الشديدة في اختيار الكلمة واللحن التي تأتي بعد الثلاثة الكبار "الحجار" و "الحلو" و "منير" ذوى وانزوى.. وحتى عندما عثر "عمار" في "هدى" على ما وجده من قبل في الثلاثي لم تستمر طويلاً واختفت لتعود لتختفي.. بينما استمر "عمار" كملحن ، ثم تحول تركيزه إلى الموسيقى التصويرية فأصبح فيها نجماً ، وحصل فيها على حريته التي كانت تقيدها قوانين الأغنية المصرية وقواعد لعبتها ، وشكل مع "سيد حجاب" ثنائياً يحظى بفصل كامل في تاريخ الدراما العربية..

لكن حتى بعد مرور ما يزيد عن العقدين على تفكك تلك الفرقة تبقى جزءاً من ذاكرة الثمانينيات الموسيقية المفترى عليها ، حتى وإن كانت الجزء "الرسمي" الملاصق والمغازل للذوق الموسيقي الرسمي من حركة موسيقية قررت التمرد على السائد ، ولو على استحياء..
(1) الكلام لـ"الشريعي" نفسه.. والصورة من الويكيبيديا لغلاف أحد ألبومات الفرقة "مطلوب موظف" والذي كتب كلماته بالكامل "عمر بطيشة"..

Tuesday, October 02, 2012

فرقة المصريين : خمسة وثلاثون عاماً

خمسة وثلاثون عاماً مرت على تكوين فرقة "المصريين" ، الفرقة التي لم تُقَدَّر أهميتها نقدياً إلى الآن ، ليس فقط كأنجح تجارب الغناء الجماعي في مصر على مدى القرن العشرين ، بل أيضاً كأحد علامات التغيير في الموسيقى المصرية..

تاريخياً ، وبحسب الويكيبيديا ، لعب شخصان لم يشاركا في الفرقة دوراً هاماً في خروجها للنور ، الأول هو الأديب الكبير الراحل "نجيب محفوظ" والثاني هو "محمد منير".. ويروي "هاني شنودة" أن "نجيب محفوظ" حضر ذات مرة لفريق كونه "هاني" تخصص في الأغاني والموسيقى الغربية ، شأنه شأن "البيتي شاه" الذي كان "هاني شنودة" عضواً فيه ، واقترح "محفوظ" على "هاني" أن يقدم ذلك الفريق أغان جماعية بالعربية ، لكن ذلك الأخير اعترض لأن شكل الأغنية العربية الكلاسيكي في ذلك الوقت لم يكن مناسباً لطبيعة ما يعزفه الفريق..

جاء دور "منير" بشكل غير مقصود ، حينما عمل معه ذلك الفريق بدعوة من الشاعرين الكبيرين "شوقي حجاب" و"عبد الرحيم منصور" ، وقدموا ألبوم "علموني عينيكي" الذي لم ينجح حينما طرح لأول مرة لأسباب هندسية ، وهنا والعهدة على "هاني شنودة" بدأت فكرة تكوين "المصريين" بعد التعثر الذي صادف مغامرته الأولى مع "منير"..

قدمت الفرقة أول ألبوماتها بعنوان "بحبك لا" وحقق نجاحاً كبيراً وغير متوقع ، شجع شركة "سونار" التي كانت وقتئذ تنتج ألبومات "منير" على العمل ثانيةً معه في ألبوم "بنتولد" عام 1978 ، وحقق نجاحاً مدوياً أكسب الفرقة شهرة أكبر ، وحفز فرقاً أخرى على الانطلاق من بينها "النهار" للموسيقار الكبير الراحل "محمد نوح" و"الأصدقاء" للموسيقار الكبير "عمار الشريعي"..

امتلكت "المصريين" مقومات استمرارها لأحد عشر عاماً تعتبر فترة طويلة في حياة الفرق الغنائية في مصر ، ومقومات استمرارها في ذاكرة أجيال لم يولد بعضها وقت أن كانت تلك الفرقة في أوج عنفوانها.. التغيير الذكي في شكل التنفيذ الموسيقي ، وجعله أبسط وأقل من حيث عدد آلاته ، إضافة بعد هارموني للأغنية بحسب "هاني شنودة" ونقاد ، وأيضاً ، وهو الأهم : الدماغ..

كان للفرقة دماغان مفكران ، الأول هو "هاني شنودة" وكان دماغ الفرقة الموسيقي ، ملماً بالموسيقى الشرقية والغربية معاً ، وأكسبته خبرته السابقة في مصنع النجوم "البيتي شاه" خبرة الاحتكاك بجمهور مختلف رأى في بساطة الموسيقى الغربية ما تفتقده أغاني عصر التطريب ، البساطة التي نقلها أيضاً إلى الموسيقى التصويرية التي صار أحد نجومها عن جدارة ، ومن ينسى موسيقى أفلام "المشبوه" و "غريب في بيتي" ومسلسل "فيه حاجة غلط" أحد أنجح درامات الثمانينات ، لكن مع نهاية الثمانينيات بدأ خطه البياني في التراجع ، وأثر العمل في أفلام ضعيفة القيمة عليه بالسلب الشديد..

والدماغ الثاني لفرقة المصريين ، وموجهها الفكري الحقيقي والفعلي ، كان الراحل "صلاح جاهين" ، صحيح أن الفرقة تعاملت مع شعراء كبار وشعراء غير معروفين ، لكن "جاهين" صاغ فلسفة الفرقة وخطابها التي توجهت به إلى شباب تلك الفترة وإلينا أيضاً ، وحدد إلى حد كبير خطها الغنائي التي على أساسه تعاملت الفرقة مع غيره ، خط يتمرد على الحب والغزل التقليدي ، يخرج إلى العالم بمعناه الأوسع ، يغني للتجربة والمحاولة والطريق ، والحياة بشكل عام.. بلغة بسيطة بساطة موسيقى الفرقة التي شكلت إنقلاباً على السائد ، وبروح لا تتوقف عن التمرد والمرح والتفاؤل حتى مع إصابة "جاهين" نفسه بالاكتئاب.. ضخامة دور "جاهين" في "المصريين" تجسدها حقيقة مفادها أن الفرقة استمرت بعد رحيل "عبد الرحيم منصور" عام 1984 ، لكنها لم تستطع الاستمرار طويلاً بعد رحيل "جاهين" في العام 1986..

رحيل "جاهين" و"تحسين يلمظ" أحد أعمدة الفرقة وضعا حداً لمسيرة "المصريين" التي استمرت أحد عشر عاماً ، حاول "هاني" إعادة الفريق بشكل جديد وأسماء مختلفة ، لكنه وجد نجاحات الماضي عملة نادرة قيمة تصعب على التقليد والاستنساخ ..

الآن لدينا فرق لم تستوعب الدرس ، افتقد بعضها للدماغ والاتجاه ، وارتمى بالكامل في أحضان التغريب الذي عد قريناً للوجاهة الثقافية والاجتماعية ، وتطرف بعضها الآخر في التمسك بالخط الجاهيني الحجاري بتقليديته ، فرق لم تخرج كثيراً من حدود الساقية ودار الأوبرا وكوكب وسط البلد إلى عالم أوسع يضم جيلاً من الشباب على اختلاف مشاربه وخلفياته الثقافية والاجتماعية ، ينفخ الإعلام المتربح من الثورة والساعي لحلبها واستغلالها في صور فرق منها ، لكن الأمر يبدو كتغيير أسماء الشوارع إلى أسماء غير التي عرفها عليها الناس وعاشوا وتعايشوا معها.. قد يقبل عليها بعض الشباب الحالي لكن ولاء هؤلاء الشباب الحقيقي لذكريات "المصريين" ومرح "الأصدقاء" وثورية "طيبة" الفريق المظلوم دعائياً ونقدياً..

لا يلزم على أي فريق غنائي أن يسير في نفس اتجاه "المصريين" ، فقط أن يكون له اتجاه ، لا يلزم على أي فريق غنائي أن يقلد موسيقاهم كي يكرر نجاحاتهم ، بل أن يكون له خطه وموجته التي تستطيع آذان الناس أن توالف عليها .. كان نجاح "المصريين" وبقاؤها في ذاكرة أجيال مختلفة من المصريين يتلخص في أن تلك الفرقة اختارت أن تكون نفسها فحسب ، وأن تحتمي بالناس لا أن تنعزل عليهم أو تتقعر عليهم..
* من روائع "المصريين" المنسية : "لما كان البحر أزرق" ، الكلمات للشاعر "هاني زكي" ، الفيديو من "يوتيوب"..

Friday, August 17, 2012

تترات رمضان هذا العام : فحص عينة

1-من الواضح أن الشعراء الغنائيين الذين كتبوا تترات رمضان هذا العام يعانون معاناة حقيقية في وزن أغانيهم ورص كلماتها ، بما أن معظمهم رصيصة .. وشاهدنا منهم أشياءً غريبة الشكل .. "ياسر حسين" المنتج والشاعر الغنائي وكل حاجة تقريباً يخترع استعمالاً جديداً وغريباً لـ"عا" في "وابعد بعيد عالشر".. التي أصلها ، أو هكذا يفترض ، "أبعد بعيد عن الشر".. لأول مرة في التاريخ والجغرافيا وحساب المثلثات أجد "ع" التي تستعمل بمعنى "على" عادةً تحل محل "عن".. نفس مشكلة "حسين مصطفى محرم" في "معالي الوزيرة" .. أما "أيمن بهجت قمر" فتعودنا منه على أشياء مماثلة وبالتالي لا تعد تلك الأمور غريبة ومستفزة من باب "ما غريب إلا الشيطان"!

2-لأول مرة منذ سنوات أستمع لتترات تعد كوارث فنية بمعنى الكلمة ، تتر "حكايات بنات" جريمة وسبة في حق كل من شارك فيه ، "أيمن بهجت قمر" كتب هذا التتر وهو "منعوس".. أما "وليد سعد" فنجح في أن يرينا جانباً قبيحاً جداً من شخصيته كملحن وهو يقدم "شيئاً" كهذا وهو ملحن نجم - أو هكذا يفترض - تحقق أغانيه نجاحات كبيرة ، لنفاجأ به "يبخ في وشنا" لحناً عبارة عن جثة ، جملتين بلا روح ولا حياة ولا مرح ، حتى الكبير "طارق مدكور" هو الآخر كان في الـ day-off كما يقول الرياضيون ، حاول أن يضفي شيئاً من الحياة على اللحن المقرف بجملة الأكورديون-الناي في افتتاح الأغنية ، لكن اللحن كان جثةً هامدة فاحت رائحتها في صيف قائظ.. وتمنيت لو احترم تاريخه واستعادة مستواه -عن طريق توزيعه لاثنتين من أنجح أغاني العام- برفضه المشاركة في تلك المهزلة.."نانسي عجرم" تنتحر فنياً بتتر كهذا ، ومن الواضح أن مسلسل الانتحار سيستمر ما لم تفق لنفسها..وكيف لا نتحدث عن انتحار فني وقد افتقدت "نانسي" بانفصالها الفني عن مدير أعمالها "جي جي لامارا" العقل المدبر والموجه الذي كان عاملاً كبيراً في ظهور ظاهرة "نانسي عجرم" التي نعرفها ، والتي هي في طريقها السريع للانهيار إذا ما ظلت تسير بـ"دماغها" الحالية..

3-ينجح "راجح داوود" في جعلك تتخطى التكرار الممل في موسيقاه التي تشعر دائماً أنك سمعتها من قبل ، لمسات بسيطة جداً أجراها على تتر "الصفعة" من بينها تسريع الإيقاع والاعتماد على القانون لأول مرة كآلة رئيسة .. أشعر أنه لدى موسيقار كبير كـ"راجح" ما هو أفضل.. لكنه لم يقدمه بعد..

4- من تفوق على "راجح" في هذه النقطة فعلاً هو الملحن "محمد رحيم".. وساعده على ذلك "توما" الموزع الموسيقي في "سيدنا السيد".. الأشعار من أفضل ما كتب "مدحت العدل" ، ولا تقارن بتتر "قضية رأي عام".. وجاءت معبرة بحق عن المسلسل وحالته الدرامية وموده.. هدوء "رحيم" يروق فيما يبدو لـ"محمد الحلو" الذي افتقدناه في تحديات غنائية كالتي يضعه فيها الغائب عن رمضان هذا العام "ياسر عبد الرحمن".. وكان أداء "الحلو" للأغنيتين مقدمةً وختاماً مقنعاً جداً.. توزيع "توما" لتتر المقدمة جاء مبتكراً وغريباً.. يبدأ صعيدياً تقليدياً مستلهماً تيمة "الصبر طيب" الشعبية المعروفة في الدلتا والصعيد (وصححوني إن أخطأت) لينزل منها على إيقاع غربي بدءاً من "مدد مدد سيدنا السيد ...الخ" ثم يعود لـ"الصبر طيب" كجملة موسيقية وفاصل.. على العكس من تتر الختام التقليدي والذي بدا عذباً للغاية برغم تحفظاتي على مود "رحيم" الذي لا يغيره كثيراً..

5-لكن إذا أردنا أن نتحدث عن الـ goodness of fit أو حسن الملاءمة للموضوع فمن الصعب أن نتجاهل "عمرو إسماعيل" في "رقم مجهول" وهو يقدم موسيقى ممتازة تليق بمسلسل حركة وتشويق وجريمة ، سواء من حيث الخطة أو الإيقاع أو السرعة.. تحدث كاتب السطور في وقت سابق عن "الوعي الدرامي" لدى "عمرو" الذي نراه في لمسات خاطفة في موسيقاه التصويرية التي يستمدها من قراءته للعمل الدرامي ومكانه وظروفه.. تتر "رقم مجهول" هو أفضل تتر غير غنائي سمعته في رمضان هذا العام.. "عمرو" أيضاً كان حسنة تتر مقدمة "معالي الوزيرة" الوحيدة ، رغم كونه غير متمرس كملحن بنفس درجة تمكنه كمؤلف موسيقى تصويرية.. تعامل "عمرو" بواقعية شديدة مع صوت "ريهام عبد الحكيم" ، وهو صوت رغم قوته وجماله إلا أنه يحتاج لمعاملة خاصة في التلحين بالذات في الأغنية المعاصرة غير التطريبية ، اعتمد "عمرو" الجمل القصيرة التي تخصص فيها ملحن كبير آخر هو "محمد ضياء الدين" وبالفعل أجادت فيها "ريهام"..

6-بنى صوت "طارق الشيخ" حائطاً بيني وبين تتر "عرفة البحر".. مع احترامي الشديد جداً للأغنية الشعبية بكل مدارسها من مدرسة "عبد المطلب" إلى مدرسة "رشدي" و "العزبي" إلى مدرسة "عدوية" إلى مدرسة "شعبان عبد الرحيم" و "عبد الباسط حمودة" ونهاية بأغاني "المهرجان" وموسيقى التوك توك.. إلا أن منطقة "طارق الشيخ" من المطربين بمن فيهم "طارق" نفسه تخل من المطربين الحقيقيين بمقاييسنا المعتادة على الأقل، بل إن أغلبهم ، برضه بمن فيهم "طارق" من "المزعقاتية" ، الصراخ بأعلى الصوت في أعلى طبقة والسلام ، ربما كان اختياره مناسباً في محاولة لعمل تتر شعبي لدراما شعبية كـ"عرفة البحر".. لكن أسلوب "طارق" فصلني منه تماماً.. كنت أرى أن "ملاك عادل" و "محمد عبد المنعم" كانا أنسب لهذا التتر لنجاحهما الكبير في مجال الأغنية الشعبية ، "ملاك" أذكى في استخدامه لمجموعة كلماته القليلة من شعراء كثيرين ، أما "محمد عبد المنعم" فهو ملحن ومطرب جيد ، وتواجد الاثنان معاً في تتر "الإخوة أعداء" الذي سمعته قبل رمضان بفترة كدعاية للمسلسل..

7-أكثر موزع يستحق الإشادة في رمضان هذا العام هو "أسامة الهندي".. موزع موهوب جداً ، وكان لـ"محمد منير" نظرة عميقة في إسناد التوزيع والإشراف الموسيقي للعديد من أغاني ألبوماته الأخيرة له ، تتر ختام "خطوط حمراء" مثال عملي يوضح قدرات "الهندي" كموزع ، على العكس من تتر البداية ، والذي كان "علي الحجار" محقاً - المرة دي - في انتقاده (بشكل مبطن على يومية "الشروق") وانتقاد الملحن "وليد سعد" الذي لم يتعامل باحترافية مع صوت "فؤاد" فظهر مختنقاً في تتر المقدمة بشكل يوحي بالتباكي على غرار ما كان يفعل "حسن الأسمر" في مرحلةٍ ما من حياته الفنية.. ويلي "الهندي" في المركز الثاني "تميم" ثم "توما" في "9 ش جامعة الدول" ، ومعهم "فهد" الذي غطى على قبح كلمات تتر "طرف ثالث" ، المسلسل الأكثر قبحاً ومباشرةً وخطابيةً هذا العام..

8-لم أستمع بدقة لتترات مسلسلات أخرى مثل "الخواجة عبد القادر" ، "فرقة ناجي عطا الله" ، وغيرها.. وبالتالي لا يمكنني الحكم عليها بدقة.. هذا ما حاول العبد لله ملاحقته في تترات رمضان هذا العام .. بالتأكيد قد تختلف مع ما سبق لكنه يبقى وجهة نظر.. كل عام أنتم بخير..
* الصورة من منتدى "سينما فور يو"..

Monday, July 09, 2012

سوبر ليفة : شغال

قبل ساعات أصدر "أبو الريش" ألبومه الغنائي الثاني "خليك في النور يا أمور".. وربما شعرت في أوقات أن هذا هو توقيت "أبو الريش" .. بكل ما يمثله من شكل غير مألوف ومود غير مألوف ، في محاولة لكسر المود "الرخم" الذي نعيشه نتيجة الأحداث السياسية في البلاد وحالة الضبابية المهيمنة على كل شيء.. انتظر "أبو الريش" كما انتظر آخرون لفترات طويلة كي ترى مشاريعهم الغنائية النور ، وظهر على الألبوم ككل تأثره بكل ما مر من ظروف ، إيجاباً وسلباً..

1-لنعترف ، مع كل خلافاتي العنيفة مع "أيمن بهجت قمر" ، أن هذا الأخير يتحسن في هذا الألبوم ، ولكن ببطء ، استفاد من عمله في الدراما ومحاولته نقل حالات معينة من خلال أغاني "الساوند تراك" التي كان مهيمناً عليها لفترة ، مع مطرب يتعامل معه - نتيجة لونه الغنائي - بأريحية تختلف عن النجوم الآخرين الذين يقدم لهم "شغل السوق" المعتاد والممل والمكرر والضعيف وغير المبتكر التي سيطرت على الإنتاج الغنائي لـ"أيمن" لفترات طويلة..

ولنعترف ، مع تكرار بعض أفكار "مونولوجاته" داخل الألبوم أنه تحسن ، وببطء أيضاً ، في منطقة المونولوج الذي يحاول إحياء شكله القديم وشبه الوعظي كما هو ، صحيح أن بعض مونولوجاته جاء مباشراً كما في "بنت الناس" ، و"بيننا هو" ، لكنه في الأخيرة حاول ، ونجح ، في أن يقدم "المونولوج القصة" بشكل جيد ويحسب له.. واستفاد من خطأ سابق له بتفادي بعض الصور "الديموديه" التي تقادمت ولم يعد الجيل الحالي الذي هو جمهور "أبو الريش" يستسيغها أو يستخدمها..

2-من الملاحظات على الألبوم ككل قصر زمن أغنياته بشكل عام ..

3-تجد نفسك مع التحفظ التقليدي الذي أطلقه ويطلقه آخرون على الأعمال الفنية الحالية بشكل عام : أنا شفت الكلام دة فين قبل كدة.. مثلاً.. تشعر بأن بعض أغاني الألبوم الحالي تشبه بعض أغاني الألبوم السابق بشكل يوحي أننا نتحدث عن "جزء ثاني"، بشكل ضمني (كما في "جدو" التي تذكرني بـ"قبل ما أنام") أو بشكل صريح كما في "تاكسي 2" (التي تذكرنا بأغنية قديمة لحنها "حتجن ياريت ياخوانا مارحتش لندن ولا باريس" التي كتبها "بيرم التونسي" و لحنها "سيد درويش")..وهي أضعف أغاني الألبوم على الإطلاق (بالتساوي مع "هتفرج علينا" التي تقمص فيها "أيمن بهجت قمر" دور "نبيل خلف").. بصراحة "قلشت منه" خارج الملعب تماماً!

ومع ذلك كان لـ"أنا شفت الكلام دة فين قبل كدة" جوانب إيجابية وإيجابية للغاية في بعض الأغاني ، جرأة تصل إلى درجة الجنون تحسب جداً جداً جداً للموزع "علي فتح الله" وهو يقلد ببراعة التوزيع الموسيقي في فترة السبعينيات في أغاني الحفلات ، فقط كان ينقصه الجيتار المستخدم في تلك الفترة لكي تصبح "ملعوبة آخر حاجة".. لمسات قليلة كانت تنقص أذكى لعبة موسيقية هذا العام.. كما كان التوزيع الخمسيني لـ"خليك في النور يا أمور" أيضاً لـ"محمود طلعت" -والذي يعود لأول مرة للأغنية التجارية منذ عام 1995 تقريباً- والذي جاء أيضاً مبتكراً في سياق الألبوم ، كذلك "طقطوقة الفن" ، رغم أنه كانت له سابق تجربة مع "محمد عطية" في فيلم "درس خصوصي" عندما حاول تقليد ألحان الأغاني الأربعينية في "نهارك سعيد" .. بدأت الآن فقط أشعر أن "محمود طلعت" بدأ يتغير للأفضل..

4-لم تغب السياسة عن جديد "أبو الريش" ، سواء في "الطاووس" أو "بقينا بزمبلك" ، أو "طقطوقة الفن" التي يرد فيها على انتقادات بعض المتطرفين للفن وتحريمهم له..

5-التنوع مطلوب ، وكان من الأفضل أن يشارك شاعر غنائي آخر إلى جانب "أيمن بهجت قمر" في كتابة أغاني الألبوم ، كما حدث في المرة السابقة حين كتب "حسن عطية" "قبل ما أنام" ، في المقابل قلت سيطرة "محمد يحيى" على ألحان الألبوم ليفسح المجال لأسماء أجادت مثل "محمود طلعت" و "وليد سعد" الذي عاد لمستواه الحقيقي وأضاف لمود الألبوم أيما إضافة في "عاش الملك".. ملحن موهوب مهما اختلفنا معه وبشدة ، ونغضب منه عندما يبتعد ولو لقليل عن مستواه أو عندما يستسلم للتكرار الذي لا ينفع الشطار..

6-من الأشياء الغريبة في "أبو الريش" أنه يقنع في الأغاني غير الكوميدية ، "الطاووس" وهي أفضل أغاني الألبوم على الإطلاق ، وأبسطها توزيعاً ، يجيدها "أبو الريش" بنفس مستوى أغانيه المعتادة إن لم يكن أفضل ، تعيد إلى الأذهان مع فارق كبير "مبقاش عندي ثقة في حد".. هذه المرة "الطاووس" أفضل!

7-"علي فتح الله" و "محمود طلعت" أفضل مكاسب التوزيع الموسيقي في الألبوم ومفاجأتاه السارتان ، أما "توما" (باستثناء "الطاووس") فظل بعيداً كل البعد عن "توما" الذي نعرفه ، حتى "الريمكس" لم يكن له داع ، بما أن لعبة "الريمكس" تتطلب أشياءً غابت عن "توما" الذي عودنا على إيقاعات مبتكرة قدم بعضها في "كنج كونج" ونراها حاضرة مع "محمد حماقي".. "محمد يحيى" بالتعبير الدارج "ماشي على سطر وسايب سطر" ،يترك "محمد يحيى" السطر يخنق لحنه في "تاكسي 2" موزعاً بخبرة "طارق مدكور" الذي ابتعد هو الآخر عن مستواه القوي جداً الذي قدمه مع "شيرين" في "بتحكي في إيه" ثم مع الكبير "عمار الشريعي" عندما أعاد بروح تحدٍ عالية توزيع أغنية "ماهر العطار" "عيون" لحساب "محمد منير" ، ثم يسير "محمد يحيى" على السطر في "طقطوقة الفن" ، وبوجه عام كان "يحيى" أفضل في "أنا مش خرونج" حيث كان فاكهة الألبوم بحق من "خليك في النور"..

في ظل الظروف الحالية قدم "أبو الريش" ومعه "أيمن بهجت قمر" بالاشتراك مع مجموعة الملحنين والموزعين ألبوماً جاء أفضل من السابق في أشياء وأقل منه في أخرى ، تعلموا من أخطاء سابقة ووقعوا في أخطاء جديدة ، سيعجب الكثيرين ، وسيغضب كثيرين ، لكنه بالنسبة لي في مجمله : شغال..
* قمت بإجراء تصحيح لاسم في الفقرة قبل الأخيرة.. لذا لزم التنويه .. الصورة من موقع "جريدة الجمعة"..

Thursday, May 10, 2012

"علي الحجار" و "أبو الريش" وقفص القرود

هيا لنفعل كما يفعل المطرب الكبير ، ونطلق على كل من غنوا أغاني كوميدية ، من أول "إسماعيل ياسين" و "شكوكو" و "ثريا حلمي" ونهايةً بـ"أبو الريش" لقب "بهلافان" كما كان ينطقها الراحل الكبير "عبد المنعم إبراهيم" في فيلم "فطين عبد الوهاب" الأخير "أضواء المدينة"..

هيا بنا نخبط كل الحلل في بعضها البعض ، ونربط الأسلاك ونعقدها فنتعرقل فيها فنستمتع بسبابها ، هيا نخلط بين الجد والهزار ، بين القصيدة والمونولوج ، بين الأغنية السياسية وأغنية الأطفال ، بين "أيظن أنني لعبة بيديه" و "أيظن إني ح ألعب بيه" ، بين "أسألك الرحيلا" و "أنا مش خرونج" ، وبين "قلب الوطن مجروح" و "فين فلوسي ياه" ، وأهه كله عند العرب أغاني.. ولا مانع أن نعامل الجميع نفس المعاملة ، ما هو كله أغاني..

هيا بنا نضع كل من لا يعجبونا في نفس القفص مع أقرانهم من القرود ، بما أنه احنا البني آدمين وغيرنا القرود، اليوم "أبو الريش" الذي لم يخرج علينا يوماً ليقدم نفسه كـ"علي الحجار" ، جنباً إلى جنب مع مطرب "بحبك يا حمار".. رغم أن "أبو الريش" لم يطلب منا أن نعامله كـ"علي الحجار" أو "الحلو" أو "مدحت صالح".. هو مجرد مطرب يغني "قلش" ، يعلم هو ذلك ونعلم نحن أيضاً ، وهو اتفاق غير مكتوب بيننا وبينه ، شأنه شأن أي فنان عندما يقدم لنا نفسه ، وإن خالف ذلك الاتفاق أو تلاعب به - هو أو غيره مهما كان تاريخه وكانت ضخامة اسمه -يصبح لنا كمتفرجين موقف آخر ، واختلافنا معه جاء حول مستوى القلش وليس حول غنائه للقلش ، القلش مشروع ، السخرية من همومنا ومن أنفسنا مشروعة ، الضحك مشروع وليس فتنة ولا عيباً ولا حراماً ، وعداءنا للبهجة بكافة أشكالها أمر غير مفهوم ، وتعاملنا معها كذنب أمر غير مفهوم ، ونتطهر منه بطريقة غير مفهومة هي الأخرى ، كأن نطلب من المطرب في فرح شعبي أو نشغل في "الدي جي" أغنية "الموت علينا حق"..

هيا نفرض تصورنا للفن على الجميع ، واللي مش عاجبه قفص القرود موجووود ويحتمل أكتر ، ومهما جبت قروووود حيقول لي هات أكتر ، وإن كثر القرود نخصص لهم من برنا وإحساننا جبلاية نجعل فسحة أطفالنا الفرجة عليهم والقهقهة ، منهين إياها بالقول "لو ما سمعتش كلام بابا وماما حتبقى زي عمو الوحش دة" ، وبهذا المنطق سنجد كل من لم يغنِ على طريقة "الحجار" و "الحلو" - مع احترامي للمدرسة التقليدية - في القفص أو الجبلاية .. بل وسيأتي اليوم - بهذه الطريقة - الذي نلقي فيه بالموز في وجه كل من اختار مثلاً التعبير على حساب التطريب ، والكيبوردات على حساب الوتريات والآلات الحية ، وكل من جعل مدة الأغنية أقصر من ست دقائق.. وإن قررت بعض الفرق غناء "راب" حتى ولو كان عنيفاً وبذيئاً على الطريقة الغربية فلتحجز مكانها من الآن ، رغم أن فرقاً أخرى يتم وضعها على الحجر رغم شدة ما تقدمه من تغريب لا يعجبني ، وبالتأكيد لا يوائم أسس المطرب الكبير في تقييم المطربين زملائه..

الفن للناس وبالناس ، هم أحرار في أن يختاروا ، وأنا حر في القبول أو الرفض ، لكن ليحترم كل منا حق الآخر في القبول أو الرفض ، أي عمل فني "علق" مع الناس حتى ولو لفترة قصيرة يحوي بالتأكيد شيئاً استرعى انتباههم ، أو منح الناس لحظة بهجة أو سعادة أو "فش" خلقهم.. الناس قادرون على التمييز على ما ينجح لديهم مهما كان غريباً أو تافهاً أو غبياً من وجهة نظرنا ، وبين ما يتم إنجاحه بفعل فاعلين وبحكم الاستمرار والميديا .. الناس هم جمهور "الحجار" وجمهور "سعد الصغير" وجمهور "أبو الريش" وجمهور "آمال ماهر" وجمهور "أمينة".. وهناك من الناس من يحب أولئك جميعاً ومنهم من يكرههم جميعاً..

الفن يسع لكل الأفكار ولكل الأذواق ، والكرة في ملعبنا جميعاً نتفرج ونسمع وننتقي ونختار ونقبل ونرفض ، هو نفسه قالها ليعود لمناقضتها..

وفي الزمن الذي يتباكى عليه ويتباكى كثر ، حتى في ظل التنافس والعداء بين مطربين كثيرين يغنون في نفس المنطقة ، كما كان الحال بين "عبد الحليم حافظ" و "فريد الأطرش" إلا أننا لم نسمع عن أحدهما يتكلم عن "إسماعيل ياسين" بنصف الطريقة التي يتكلم بها المطرب الكبير عن "أبو الريش" ، ولم يصف أحد "عبد السلام النابلسي" بالمهرج والأراجوز ، وكانت هناك علاقة طيبة تجمع حتى أطراف النقيض ، علاقة "عدوية" كانت طيبة جداً بـ"عبد الحليم حافظ" ، و"مأمون الشناوي" وهو من هو كتب لـ"عدوية" ، الذي غنى معه نفس المطرب الكبير في فيلم "أنياب" .. و"حسين السيد" كتب لـ"سمير غانم" .. ولا يوجد أكثر من الأمثلة..

أذكر نفسي والمطرب الكبير بأن شعاع الضوء الأبيض الواحد مكون من سبعة ألوان.. ولو كان اللون الأبيض موجوداً بحالته لما كان للسبعة ألوان وجود..

كل احترامي لـ"علي الحجار".. وكل تقديري له كقيمة فنية كبيرة ، وكواحد من أفضل الأصوات المصرية على مدى حياتي بأكملها ، لكني كنت أنتظر أن يتعامل "الحجار" مع كل من يختلف معه سياسياً وفكرياً وغنائياً بأسلوب أفضل.. الكبار دائماً يرتكبون أخطاءاً كبيرة..
* الصورة من "في الفن"..

Wednesday, May 09, 2012

أنا عايز كلمات.. كلمات تافهة

قررت اليوم الكتابة في موضوع أقل ما يوصف به أنه مجنون ، هذا إذا لم يتهم أحد كاتب السطور بالجنان الرسمي بسببه..

ماذا لو كتب شاعر ما أغنية هابطة عن عمد؟

أولاً.. لنتفق أن معظم الأغاني الهابطة الحقيقية لا يقتنع أصحابها بأنها أغان هابطة ، ولا يقتنع مؤلفو ومخرجو وممثلو أفلام المقاولات أو أفلام الدرجة الثانية أو الثالثة أنهم يقدمون شيئاً سيئاً.. هم يقدمون أعمالاً فنية عادية وربما ممتازة ولها من يتقبلها ويتعامل معها بجدية وهذا صحيح ، وهناك من يجد فيما نعتبره هابطاً أشياءً جديرة بالمتابعة وهذا حقه وقد يكون ذلك صحيحاً .. كما أن هناك درجات نسبية من الهبوط تختلف باختلاف الزمان والمكان، البعض انهال على "عدوية" بالشتائم وبأوصاف لم يقلها الإمام "مالك بن أنس" في الخمر على اعتبار أن أغانيه "هابطة" فقط لخروج بعض كلماتها عن القاموس المتعارف عليه لأغاني الحب التي كانت النمط الغنائي الوحيد المعترف به من قبل الإعلام والإبداع الرسمي ولاستعمال كتاب أغاني عدوية من أمثال "حسن أبو عتمان" لغة أقرب للغة الحوار الدارج بين فئات مختلفة من الشعب ، قبل أن يعاد اكتشاف أغانيه بعد سنوات لنكتشف أنها لم تكن من السوء بالمرة .. بل إنها تحف فنية حتى إذا ما قورنت بأغان مدللة رسمياً من قبل بعض السادة المثقفين..

لنعد إلى السؤال ، وأجيب بـ"نعم" .. من الوارد أن يكتب شاعر غنائي كبير، أو كاتب درامي محترم أغنية هابطة ، عندما يكون ذلك في سياق درامي ، في فيلم أو مسرحية أو مسلسل ، طبقاً لمواقف معينة ، ولا أبالغ إن قلت أن ذلك يمثل تحدياً حقيقياً للشعراء والكتاب ، تماماً كما تمثل مثلاً كتابة القصائد بالفصحى لشعراء ليسوا شعراء فصحى من أمثال الكبار "سيد حجاب" و "عبد الرحمن الأبنودي".. ولهما تجارب مع الأغنية الهابطة الدرامية كما سيتقدم ..

الموضوع قديم ، وليس وليد اللحظة ، في فيلم "دليلة" اضطر "عبد الحليم حافظ" لغناء أغنية "الحق عليه ويخاصمني" عندما تنازل فنياً وقرر الغناء في ملهى ليلي أغانٍ هابطة ، كاتبها هو العملاق "حسين السيد" ، كتب عنه المدون في وقت سابق وسيكتب بإذن الله عندما تسنح الفرصة ، وملحنها بالمناسبة هو الموهوب "منير مراد" ، هي الدراما..

حاول "سيد حجاب" و "عبد الرحمن الأبنودي" وهما من أروع شعراء العامية وأعلاهم موهبة دخول مجال كتابة الأغنية الهابطة الدرامية ، ستذهل عندما أقول لك أن هذين الكبيرين اللذين عكسا في أشعارهما الروح المصرية بامتياز ، وأبدعا في استخدام القاموس المصري من البرلس شمالاً لحلايب جنوباً ، ومن السلوم غرباً إلى طابا شرقاً ، قد فشلا بامتياز في تقديم أغنية هابطة مقنعة داخل السياق الدرامي!

"الأبنودي" صاحب روائع غنائية في مسلسل "أبو العلا البشري" من تتر بدايته لتتر ختامه ، أخفق في تقديم أغنية هابطة مقنعة في المسلسل ، غناها "الحجار" ولا يزال يغنيها اعتزازاً بهذا المسلسل الذي يعد من كلاسيكيات الدراما العربية بلا مبالغة ، في المسلسل اضطر "محسن" أو "عمرو" على ما أذكر (="الحجار") لغناء أغان هابطة من أجل المال فجاءت "الهؤة المؤة السلامؤة" ويقال "الزلمؤة" .. باستثناء المقطع الأول لم تكن الأغنية مقنعة كأغنية هابطة ، أو كنظيرة للأغاني الهابطة المنتشرة في ذلك الوقت في الملاهي الليلية أو ما يعده صناع المسلسل والشاعر نفسه غناءاً هابطاً ، حتى غرضها الدرامي وهو السخرية التي تصل إلى درجة الإضحاك لم يتحقق.. يبدو أن الرقة والعذوبة في "الشغل العادي" لقيمة وقامة كـ"الأبنودي" لا تزال مسيطرة على كتابة أغنية تتطلب مواصفات أخرى بحكم الدراما -"ياللي غرامك دوبنا ، ما ترق علينا حبة يا سيدنا" ، وختمها بتشبيهات لا تقنع في أغنية كهذه "دة أنت قلبك سكينة حامية.. وقلوبنا أطرى من الجبنة" .. نفس الشيء تكرر بعدها في مسلسل "الكهف والوهم والحب" ، والذي يعد هو الآخر من أجمل المسلسلات التي ظهرت في تلك الفترة وفي عام يعد أسطورياً للدراما المصرية (1989)، عندما قدم أغنية "هشتكتك بالهشاكة" التي غنتها الشخصية التي لعبتها "شهيرة" في المسلسل عندما اضطرت للغناء في ملهى ليلي بعد أن فشلت كممثلة ومنتجة..

"سيد حجاب" حاول تقديم أغنية هابطة كوميدية في "سامحوني ما كانش قصدي" الذي حقق كمسلسل فشلاً ساحقاً رغم نجاح أصله الإذاعي ، في مثال عملي على كيفية فشل عمل فني يشارك في صنعه مبدعون كبار وموهوبون ، جاءت تلك على لسان "شعبان عبد الرحيم" قبل أن يحقق شهرته الكبرى في أوائل الألفية.. ولم تقنع!

ولم يكن الأمر قاصراً على الكبار ، "مدحت العدل" الذي لم يقنعني يوماً ككاتب سيناريو ، حتى في أفضل أفلامه "أمريكا شيكا بيكا" ، فشل في تقديم أغنية هابطة مقنعة في فيلم "أصحاب ولا بيزنس" .. صحيح أن اللحن -للملحن "صالح أبو الدهب"- والتوزيع -لـ "محمد عناني" - لمقدمة الأغنية التي غناها المطرب الشعبي المغمور "سوسو أبو شامة"- يظهر في الفيلم بدوره واسمه الحقيقي- بإيقاعيته مهدا لسماع أغنية تضحكك من فرط هبوطها وتؤدي الغرض الدرامي بنجاح ، إلا أن الكلمات لم تأتي مقنعة ، بالمرة ، رغم اجتهاد "سوسو" -الذي أصبح أثراً بعد عين بعد الفيلم - في تقديم نفسه!

"محمود أبو زيد" هو الوحيد الذي كسر تلك القاعدة رغم كونه كاتب سيناريو وشاعر هاو يكتب للتعبير عن شخصياته فقط - كما كررها لاحقاً في "الذل" في "مسير البلية تلعب" التي لحنها الراحل "حسن أبو السعود" وغناها بطل الفيلم "يحيى الفخراني"، حتى أنه في فيلم "الكيف" لم يكتب عبارة "الأغاني من تأليف" أو "أشعار" بل كتبها بالاتفاق مع "علي عبد الخالق" مخرج الفيلم "الأغاني من تخريف محمود أبو زيد".. أغاني فيلم "الكيف" هي أقوى أغان هابطة موظفة درامياً سمعها المرء في حياته.. أتقنها الرجل لدرجة تجعلنا نشعر أنه يحترف كتابة تلك النوعية من الأغاني فعلاً..

وهناك أكثر من سبب لنجاح لعبة "أبو زيد".. هو ككاتب يعرف شخصياته جيداً ويوظفها بإتقان حتى في فيلم كوميدي صاخب (في ثلثيه الأولين على الأقل) ، ويعرف أن "جمال أبو العزم" أو "المزجنجي" رجل اتجه إلى "الكيف" كنايةً عن تخدير عقول الناس ووعيهم عن طريق الأغاني الهابطة ، فكانت خطته - ="أبو زيد"- تتلخص في الآتي : لنكتب على لسان "المزجنجي" أغان هابطة تنجح في الفيلم نجاحاً مدوياً ، ولكي تنجح في الفيلم ، لابد من أمارة حقيقية على إمكانية نجاح مثل تلك الأشياء كما يحدث في الحقيقة!

"يا حلو بانت لبتك .. أول ما ظهرت قشرتك.. تحرم عليا محبتك.. وراح أتوب عن سكتك.. القلب منك مليان جفا .. والصبر من قلبي اتنقى .. وراح معاه كل الصفا .. ضيعته بعندك يا قفا .. يا قفا يا قفا"..

القاعدة بسيطة : لكي تحاول السخرية من شيء ، حاول أولاً تقليده ، وهو ما نجح فيه "أبو زيد" وفشل فيه شعراء عمالقة آخرون ، فبما أن الأغان الهابطة كما كان يعدها "المبدعون الرسميون" - تعبير حقوقه محفوظة للكاتب والناقد الموسيقي "أشرف عبد المنعم"- أقرب إلى لغة الناس فقرر استعمال تشبيهات دارجة - "بانت لبتك" .. "ظهرت قشرتك".. بدت سهلة لمشاهد الفيلم وحتى للجمهور في نهاية الفيلم الذي أعجب أيما إعجاب بشريط به أغاني "الكيميا" و"القفا"..ومقنعة جداً بحيث أنك من المتوقع أن تسمع شيئاً مشابهاً من الأغاني "الهابطة" الحقيقية التي كانت رائجة في ذلك الوقت.. حتى إفيه "القفا" كان دارجاً ومستخدماً للتعبير عن شخص غبي لا يفهم ، على العكس مما فعله مثلاً "أيمن بهجت قمر" عندما قرر الاستعانة في أغنية كوميدية شهيرة بتعبير قديم جداً هو "خرونج" قيمته الإضحاكية تكمن فقط في كونه مرتبطاً بـ"شاهد ما شافش حاجة"..

صعوبة الكتابة للكوميديا ، حتى في الأغنية ، أنه حتى عندما تكتبها لمجرد السخرية لا للإضحاك ، كالرسم الكاريكاتيري ، يجب أن تعد للوصول لهدف أبعد حتى دون أن توصل للمستمع أو المشاهد ذلك بشكل صريح ، أي : فكر في الإضحاك دون أن تشعر المشاهد أو المستمع أنك "تزغزغه" أو تقول له "الحتة دي تضحك..اضحك بقا ..ههههه".. مرة أخرى .. الكوميديا صعبة ، وهناك كتاب كبار لم ينجحوا فيها ، وهذا لا يقلل منهم.. ومع مكانة "أبو زيد" الخاصة والمتميزة في قلب كاتب هذه السطور ، أقول للكبيرين الرائعين "الأبنودي" و"سيد حجاب" ، حتى مع الفشل في تقديم أغان هابطة ساخرة مضحكة ، "بحبك يا ستاموني .. مهما الناس لاموني".. :)
* "قول يا ريس ستاموني قول".. الصورة من الفيس بوك..

Wednesday, April 18, 2012

جديد "منير" : ليس خارقاً ، وليس محبطاً

في رأيي على الأقل ، لم يكن الألبوم الجديد لـ"محمد منير" "سوبر" للدرجة ، ولم يكن أيضاً محبطاً بالقدر الذي يتخيله البعض ، رغم أن الأغاني التي تم تسريبها ، كما سيتقدم ، لعبت دوراً كبيراً في هذا الشعور..

لنعترف أنه مع "منير" -وهذا يحسب له - تضمن الخروج ولو بشكل مؤقت من دائرة المباشرة السمجة التي تعرفها في كلمات عدد من الشعراء الغنائيين الحاليين وهم يتكلمون عن الحب الضائع والسب للحبيب السابق قليل الأصل عديم التربية والتعليم ، وتسمع كلمات "مختلفة" و "غير مألوفة" و ربما "صادمة".. وستتأكد أن صناع موسيقى الألبوم يحاولون فعل شيء يليق بنجومية "منير" و "دماغ" "منير" ، نجح الملحنون والموزعون في ذلك أم لا.. كما سيتقدم..

1-خمس عشرة أغنية ، رقم كبير بالتأكيد ، لكن أول تجربة سماع لمعظم أغاني الألبوم توحي بما لا يدع مجالاً للشك أن الرجل يريد أن يفعل كل شيء ، أسماء جديدة تلاقي ، أسماء قديمة تلاقي ، مود ثوري تلاقي ، مود سياسي تلاقي ، إعادة توزيع لأغاني الغير القديمة تلاقي ، إعادة توزيع لأغاني "منير" نفسه القديمة تلاقي ، والمنطق يقول أنه طالما حاولت أن تفعل كل شيء ، لن توفق في فعل كل شيء ، وهذا ما كان..

2-من يعرف "منير" يضع خطاً تحت الأغنية التي يضعها أولاً في الألبوم ، بوصفها - في رأي البعض - "فاتح للشهية" (حتى ولو كنا في زمن التحميل الذي لا يعترف كثيراً بترتيب الأغاني في الألبوم) ، لنتذكر : "يونس" في "طعم البيوت" ، "الليلة دية" في "من أول لمسة" ، "تعالالي وكفاية هروب" في "الطول واللون والحرية" ، هنا قرر أن يبدأ بأغنية سريعة عنيفة الإيقاع ، الأمر الذي اعتبره البعض من وجهة نظر لها وجاهتها أنه ظهر فيه "منير" وكأنه يغني أغنية لـ"عمرو دياب" ، وإن كنت أختلف مع ذلك الرأي ، كان من المطلوب بالنسبة لمود كثير من المستمعين أن يبدأ بشيء سريع ، عنيف ، بسيط ، كما في "عيون" .. كلمات "سيد حجاب" كانت بسيطة ، مختصرة ، تذكرنا بأغنية "هيه هيه" التي كتبها "مجدي نجيب" قبل ما يقرب من العقدين ولحنها "وجيه عزيز" ، وفي نفس اتجاه البساطة سار لحن "عمار الشريعي" الذي لم يكن يحتمل كثيراً من الفخامة التي اعتدناها من هذا الأخير عندما يوزع ألحانه بنفسه ، ولا تقبل الناحية التطريبية العالية التي نراها في روائعه الدرامية (تذكروا التتر البديع الذي كتبه "حجاب" وغناه "حسن فؤاد" في مسلسل "أرابيسك" 1994)، ولـ"عمار" ألحان تبدو بسيطة يجربها من حين لآخر عندما يحن للعمل خارج نطاق الدراما ، كما فعلها ذات مرة مع "لطيفة" في أغنية "إديني فرصة تانية" قبل عشرين عاماً مع الشاعر الكبير الراحل "عبد الوهاب محمد".. "منير" ليس "الحجار" في جبروته ، لكنه يجيد في الألحان البسيطة أكثر ويضفي عليها عمقاً أكبر حين تسمعها.. من أكثر الأغاني التي "دخلت دماغي" في الألبوم ليس فقط لأنني من معجبي الأسماء الأربعة الذين شاركوا فيها..

3- وكما رأينا "طارق مدكور" مختلفاً في "عيون" ، رأينا "طارق عاكف" مختلفاً في "يا رمان" ، يشعر بذلك من يسمع الأغاني التي يوزعها "طارق عاكف" منذ حقبة "راغب علامة" و "نوال الزغبي" في التسعينيات ، حاول "عادل حسن سلامة" شاعر الأغنية توظيف تيمة أغنية شعبية قديمة بشكل جديد ، نفس فكرة "الحبيب الوحش" ولكن ليس بالشكل الزاعق الذي نعتاده في معظم الأغاني الحالية ، بعض الآذان قبلت اجتهادات "سلامة" والبعض الآخر لم ، نقطة الضعف الوحيدة هي الظهور الشرفي لـ "شاندو" الذي بدا صوته "مختنقاً" وهو يغني الجزء الأخير المخصص له في الأغنية.. الفلكلور كان حاضراً في أغنيتين أخرتين ، "ألايا" أكثر من "أبو الطاقية شبيكة".. علاقتي بالأغاني النوبية لـ"منير" ممتازة حتى مع وجود حاجز اللغة..

4- أفضل أغنية "مخصصة" للألبوم من حيث الكلمات "قلبي ما يشبهنيش"..لم يسرف الشاعر الكبير "عبد الرحمن الأبنودي" في استعمال صوره ومحسناته ، وهو يلخص حالة تضارب بين العقل والعاطفة عبر عنها بشكل درامي ، وصل "الأبنودي" إلى الهدف وانتظر لحن "محمد رحيم" وتوزيع المجتهد "أحمد شعتوت" أن يصلا إليه ويلحقان به ، وإلى الآن لا يزالا تائهين.. نعومة "رحيم" الزائدة لم تناسب الكلمات بالمرة.. وهو ما يمكن قوله على "يا حمام" -تشابه أسماء أغاني الألبوم مشكلة بالمناسبة- وهو ما انتقد فيه كاتب السطور "رحيم" في وقت سابق بسبب لحن ختام مسلسل "مملكة الجبل" الذي لا تناسب نعومته كلمات "الأبنودي" في هذه الأغنية وفي ذلك اللحن المشار إليه.. رحم الله "حسن أبو السعود" والذي يعد "وليد سعد" امتداداً نظرياً له ، هذه الأغنية كانت تحتاج لحن "وليد سعد"..

وبالتأكيد يصعب الحديث عن الألبوم دون التطرق لـ"كوثر مصطفى" التي قدمت الأغنية التي اختارها "منير" هذه المرة ليوزعها مرتين (وله سابقة في هذا الصدد مع أغنية "صياد" في "امبارح كان عمري عشرين") ، تكتب "كوثر" أغانٍ تناسب "منير" أكثر من غيره ، ولا تشعر أنها كتبت أغنية يمكن أن تقول عنها "دي تليق على علان أكتر".. مباراة التوزيع حسمت لصالح "فتحي سلامة" الذي يجيد التعامل مع "منير" ووزع له عدداً من أفضل أغانيه في المرحلة التسعينية ، عن نفسي أعجبني الإيقاع الذي "يجيب على مغاربي" ، "زياد الطويل" كما توقعته.. حاضراً ومتألقاً في ظهوره الوحيد في الألبوم..

5- "نبيل خلف" علامة استفهام كبيرة ، استعمال الصور سلاح ذو حدين إن لم يكن ثلاثة ، حتى مع "محمد منير" ، في "جرحي القديم" المعروفة اختصاراً بـ "يا أهل العرب والطرب" ، يسرف في استخدام تلك الصور لتجعلك أمام حالة يتركك فيها أحياناً "أيمن بهجت قمر" ..حالة "مين كسر إيه دة".. لا تفهم ماذا يريد ، ولا الصورة التي يريد توصيلها لك ، شيء سمعت الروائي الكبير الراحل "خيري شلبي" ينتقده في أحد أواخر تسجيلاته التليفزيونية ، فكرة التنقل من صورة لصورة وليس داخل الصورة.. باقي أعضاء مثلث "وائل جسار" ممثلين في "وليد سعد" و "عادل عايش" "عملوا اللي عليهم".. في حدود ما تركه "نبيل خلف" معقولاً!

أما في "افتحوا يا حمام" فلن تعرف "مين كسر إيه دة".. استوحى "نبيل" "صلاح جاهين" وهو يكتب قصيدته التاريخية في أعقاب مجزرة بحر البقر ، لـ"يدفس" فيها صوره بشكل هجومي يذكرك بـ"في حضرة المحبوب" ، الألبوم الذي نجح اعتماداً على الحالة فقط ، تخرج منها بـ "والعالم عاقل مش مجنون ..ولا يمكن طلقه هترسم كون..ولا تقدر تخلق خط و لون..ولا تمنع شمس تضم غصون" ، طبعاً لا تسألني عما قبلها ولا ما بعدها.. "أشرف محروس" موزع الأغنية لم يكن سيئاً بالمرة.. بالنسبة للأغنية الثالثة لـ"خلف" "البعد نار" فلا تملك إلا أن تقول لـ"خلف" و"وليد سعد" و-بالمرة- "توما""الله يسهل لكم"..حتى أنت يا "توما"؟

بالمناسبة ، حتى ولو قلت على استحياء لـ"توما" "الله يسهل لك" فستقولها بعلو الصوت عندما تسمع "بلادي يا عرب".. أسوأ أغاني الألبوم على الإطلاق..

6-"قلش" "منير" في الأغنيتين القديمتين الذي اختار إعادة توزيعهما له "في عينيكي غربة" وللغير "حارة السقايين".. توزيع "في عينيكي غربة" علامة استفهام كبيرة ، هذه الأغنية وزعها منير مرتين بعد توزيعها الأصلي في الثمانينيات وهو الأجمل والذي صنع ذكريات جيلي معها ، وحتى في التوزيع التسعيني كانت مقبولة جداً عندما نجحت تجربة توزيعها بخلطة إيقاعية سائدة في التسعينيات كانت لعبة موزعها وقتئذ ونجح بها مع "فؤاد" و"منى عبد الغني" و "علاء عبد الخالق".. أما التوزيع الحالي : "تانجو"؟

الأغنية الوحيدة التي أجاد "منير" غناءها للغير وأعاد توزيعها هي "أنا بأعشق البحر" ، التي لحنها "هاني شنودة" وهو ملحن يعرفه "منير" وبنى معه مشواره الفني في مرحلته الأولى.. ولم يشعر "منير" بغربة في أدائها فخرجت جميلة ومقنعة.. فيما عدا ذلك فقد أخفق في كل ما تلاها من تجارب.. أفضل من كان يمكنه أن يعيد غناء "حارة السقايين" هو "نانسي عجرم".. التي توافق شخصيتها في الأداء طريقة تلحين "منير مراد" في هذه المرحلة من حياته.. وكذلك خفة ظل كلمات "حسين السيد" ، وهو شاعر لا يمل سماعاً وكتابةً كواحد من أفضل شعراء الأغنية في القرن الماضي..

7-اللعبة الكبيرة التي لعبها "منير" في هذا الألبوم دمجه لأغنيتين في أغنية ، "أمجاد يا عرب أمجاد" لـ"عبد الفتاح مصطفى" و "أحمد صدقي" و "ييجي زمان" لـ"عبد الرحيم منصور" و "عبد العظيم عويضة" (والأخيرة كانت تتر مسلسل "مارد الجبل" الشهير في الثمانينيات مع بعض التغييرات) .. لمن لا يعرفها ، ولمن لم يقرأ العلاف ، يشعر بأن الأغنيتين أغنية واحدة ، أو هكذا أراد "منير" أن يوصل لنا ما يراه من تكامل بين الفكرتين ، وصل للبعض ، ولم يصل للبعض الآخر..

أجاد "منير" غناءاً في الألبوم ككل ، لكن الجمهور سيسأله بالتأكيد عن اختياراته ، هو ليس مجرد مغن عادي النجومية يتعامل مع الملحنين والموزعين والشعراء كضيوف ، هو نجم له بصماته على الألبوم ككل ، شأنه في ذلك شأن أسماء كبيرة وناجحة كـ"عمرو دياب" مثلاً.. المحصلة النهائية في رأيي ألبوم جيد ، موسيقى في مجملها جميلة وإن أتت بعض الأغاني أقل من المتوقع ، والشيء نفسه يمكن قوله على الكلمات ، تسريب الأغنيات الذي سبق الألبوم على مدى ما يقرب من عام أو يزيد أضره خصوصاً أن معظم ما تم تسريبه كان أضعف من "منير" ، ولن تخرج أعنف الانتقادات الموجهة للألبوم عن تلك الأغاني كثيراً ، باختصار شديد ، يمكن اعتبار "أهل العرب والطرب" جديد "منير" ألبوماً ألبوم لا هو بالنقلة النوعية بالنسبة لـ"منير" لأن الظرف الراهن خاصةً في السوق الموسيقي الذي تشوبه حالة من الغموض لا يسمح لأحد بعمل أي نقلة من أي نوع ، ولا هو بالإحباط الكبير الذي يستأهل عليه الهجوم.. ننتظر الأفضل حتى من الأفضل..
* الصورة من مدونة "يا جامد"..

Saturday, April 14, 2012

عود هذا الرجل

إذا كانت آلة العود هي هي لا تتغير ، كيف يمكن أن نقول أن عود فلان غير عود علان. الإجابة بسيطة..

كمستمع ومتلق نهائي غير متخصص ، أشعر أن آلة العود دوناً عن الآلات الموسيقية هي الأكثر تأثراً بشخصية عازفه ، يبقى العود كما هو ، لا أختلف ، لكن الأصابع التي تنقر عليه تترجم شخصية صاحبها ، بشكل تستطيع معها تمييز هويته عن غيره حتى ولو لم تكن أذنك موسيقية أصلاً ، في الوقت الذي يصعب فيه أن تفرق ، مثلاً ، بين عازف كمان وآخر..

مثلاً ، ومن وجهة نظري الشخصية المحدودة ، تستتنج أن "نصير شمة" رجل احترافي بكل ما تعني الكلمة من معان إيجابية وسلبية على السواء ، وينقل لك "عمار الشريعي" شجنه واحساسه بالموسيقى والمكان والحياة عندما تضرب أنامله على العود لدرجة تشعرك عندما يعزف أنه يتكلم، ويظهر لك ومن أول ضربة عود "سيد مكاوي" خفة ظل وحس ساخر ممزوج بالألم والاحساس بالظلم والتجاهل ، يختلف عن عزف "محمد علي سليمان" في الموسيقى التصويرية التي كان يكتبها للدراما في عصره الذهبي في فترة الثمانينيات ، .....الخ..

لكن هؤلاء كلهم سيجمعون ، حين تسألهم عن أعظم عازف عود عرفوه ، على اسم واحد ، نذكره هذه الأيام التي تذكرنا به .. "فريد الأطرش"..

"فريد الأطرش" الذي يعيده "شم النسيم" إلى الذاكرة بأغنية "آدي الربيع" ، التي التصقت بتلك المناسبة التصاق "رمضان جانا" لـ"محمد عبد المطلب" بالشهر الفضيل ، ربطته علاقة هي الأقوى بالعود ، علاقة يلخصها "فريد" نفسه في ثلاث كلمات : "رفيق حياتي كلها".. هكذا كان طوال حياة تراجيدية طويلة ما بين ترحال وفقر وكفاح من أجل لقمة العيش ومذلة بعد عز ، وصدمات هزته إنسانياً أشهرها رحيل شقيقته "أسمهان".. كان يهرب من كل ضربة إلى العمل ، وإلى العود..صديقه الصدوق..

هرب موسيقيون كثر إلى العود ، "الشيخ إمام" ، "سيد مكاوي" ، "عمار الشريعي"" ، وآخرون ، قبل أن ينظر له بعدهم ملحنون على أنه آلة ثقيلة الوزن والهضم ، وقبل أن ينحسر دوره في موسيقى اليوم ، كلهم أقاموا صداقة مع آلة هي الأقرب ليس إلى نفسهم فقط بل فيما يبدو إلى النفس البشرية بشكل عام من وجهة نظر لها وجاهتها ، لكن الوحدة التي عاشها "فريد" والتقلبات الكثيرة التي شهدتها حياته العاصفة جعلت علاقته به هي الأقوى ، وجعلته يبقى معه حتى النهاية .. لدرجة صار لا يفارقه في أي حفل أو أي تسجيل وأي فيلم يمثل فيه ويشارك..ويلعب دوراً في ألحانه يبدو أكبر من مجرد دور تلعبه مجرد آلة كغيرها من الآلات الأخرى..

بعد ثمانية وثلاثين عاماً من رحيله في 26 ديسمبر 1974 يبقى لهذا الرجل "عوده" الذي يختلف عن "عود" ملحنين مصريين وعرب كبار .. ليس فقط لأنه "فريد الأطرش" بما أثرى به السينما الغنائية في مصر ، ولكن للعلاقة الفريدة التي جمعت بينه وبين العود.. علاقة جعلت عود "فريد" "فريدا"..

ذو صلة: وبعيداً عن العود ، الدكتور "أسامة عفيفي" يتناول بشكل نقدي موسيقى "فريد الأطرش" ما لها وما عليها بعين متخصص ..
* الصورة من موقع جريدة "25 يناير" الإلكترونية..

Tuesday, April 10, 2012

مش ألبوم "نكت"

ألبوم يعود إلى الثمانينيات ، 1981 تقريباً ، قد يراه البعض ألبوم مونولوجات أو أغاني كوميدية ، بما أن من يغني فيه هو "سمير غانم" الفارسير الأشهر ، لكن يفاجئك ، كما فاجأني ، أن الألبوم يحمل بصمات ثلاثة مبدعين ، الأول رغم قدمه وخضرمته في تاريخ الشعر الغنائي ، تراه يقدم في جرأة على تجربة كهذه ، والثاني رغم حياته القصيرة ، إلا أنه لا يتوقف عن إبهارك بالتألق في كل مكان يدخله ، والثالث لم يحصل إعلامياً على ما يستحقه من فهم ، رغم أنه جزء لا يتجزأ من تاريخ الأغنية المصرية في الثمانينيات ، وليس مجرد واضع موسيقى تصويرية فحسب..

لا أعرف الكثير عن ملابسات الألبوم ، ولم يتوفر على الإنترنت معلومات تذكر سوى أغانيه موجودة على "يوتيوب".. لكن ما أغرب أن يجتمع في ألبوم واحد كل من "حسين السيد" و "عصام عبد الله" و "محمد هلال".. ولكل منهم تاريخ وتجربة وشكل خاص به .. إحدى أغاني الفيلم هي تتر فيلم "أربعة - اتنين - أربعة" الذي شارك فيه "سمير غانم" نفسه وكان من نجومه إلى جانب صديقه الكوميدي الراحل "يونس شلبي" وعرضته "الحياة" قبل أيام قليلة ، وهناك أغاني لا أعتقد أنها جاءت ضمن أحداث أفلام شارك فيها "سمير غانم"..

"حسين السيد" بتاريخه الغنائي الطويل ، وتجاربه في كل لون ، يعود للكوميديا مع "سمير غانم" وهو صاحب تجارب في الأغنية الكوميدية مع "فؤاد المهندس" ومع الثلاثي نفسه ، وتربطه بهم علاقة عمل طويلة قبل وبعد وفاة "الضيف أحمد" (الذي تمر ذكراه في السادس عشر من هذا الشهر ولم يغب عن ذلك الألبوم كما سيتقدم) ، وعلاقة "حسين السيد" بالدراما أقدم بكثير من علاقته بالمونولوج ، أو الأغنية الكوميدية على الطريقة المصرية ، قال فيه "محمد عبد الوهاب" : "الشاعر حسين السيد كان يكتب الاغنية الموضوعية فاغنيته ذات موضوع و قصة"..وهو ما طبقه عملياً في أغنية مثل "الشانس" ضمن الألبوم .. جمع فيها ما بين المونولوج بسمعته في مصر كأغنية كوميدية ، وبينه بمعناه الأصلي كـ"حديث للنفس".. الجميل هنا أنه ، في أغنية حسب علمي وصححوني إن أخطأت لا تأتي ضمن سياق درامي ، يجمع فيها ما بين "المونولوج المسرحي" (بإلقاء غير غنائي) والأغنية ، مرونة تحسب لـ"محمد هلال" الذي لم يختر أن يلحن الأغنية كأغنية بجمل مكررة وكان بمقدوره ، لكنه لحنها "ثلاثي" على طريقة الثلاثي التي تحتفظ بجملة رئيسية ينطلق بعدها الملحن بحرية تامة في داخل الأغنية إيقاعاً وحركة..الأغنية تتحدث ببساطة عما يمكن للإنسان أن يفعله لو ابتسم له الحظ ، أو "ضحك له الشانس".. حالة لم تتكرر في خفة دمها إلا مع "محمود أبو زيد" و "حسن أبو السعود" و"يحيى الفخراني" في فيلم "الذل" بعدها بثماني سنوات أو أكثر ، حينما يتخيل نفس الحالة من وجهة نظر "قمارتي"!

"حسين السيد" الشاعر الدرامي النكهة صاحب الخبرة في الكوميديا يقدم في تلك المرحلة من حياته نضجاً في نهاية تجربته ، التي صادفت بداية تجربة شاعر سيبقى قصة جميلة لم تكتمل ، "عصام عبد الله".. أمل مصر في الشعر الغنائي كما وصفه "صلاح جاهين"..

لا يمكن أن أوفي هذا الرجل حقه ، وأحد الزملاء لديه مدونة خاصة بأعمال هذا الشاعر الصغير سناً الكبير موهبة وتجربة ، وعندما تطلع على تاريخه ستذهل.. هذا الرجل الذي له تحف شعرية غنائية مثل "الطول واللون والحرية" و "وحدانية" و "قلب الليل" و "ودعي المكان" ، و"لو بطلنا نحلم نموت" ، و"روحي فيكي تروح" ، كتب أغاني للأطفال -مثل "البطة أطة" لـ"عبد المنعم مدبولي" و "الديك الشركسي" لـ"يونس شلبي" ، وكتب أغان كوميدية كما في هذا الألبوم، وكتب أغاني إعلانات ربما نعرف بعضها وحفظناها عن ظهر قلب خاصة جيلي الذي كان في مرحلة الطفولة وقت توهج "أفندينا" "طارق نور" ، ومنها ، في اعتقادي ، تعرف على "محمد هلال" الملحن وصاحب الأيدي البيضاء على جيل بأكمله من المطربين منهم "عمرو دياب" و "محمد فؤاد" والقائمة تطول.. "هلال" هو الآخر نعرف تاريخه ولا نعرفه هو.. المعلومة الوحيدة لدي أنه توفي!

لـ"عصام" في "مانا مانا" ثلاث أغاني ، أغنية تتر "أربعة اثنين - أربعة" كما سبق الذكر..و"أنا مبسوط" التي تذكر من بعد بمونولوج شهير لـ"إسماعيل ياسين" اسمه "نبوية" ، وأغنية هي رسالة مفتوحة لـ"الضيف أحمد".. مود مختلف عن باقي الألبوم ، "يلقيها" ولا يغنيها "سمير غانم" على خلفية موسيقية بديعة من "هلال".. لصديق رحل قبل ذلك التاريخ بعشر سنوات ..

"حسين السيد" ، "محمد هلال" ، وثالثهما "عصام عبد الله" يجمعهم قاسم مشترك ، وهو علاقتهم بالدراما ، "حسين السيد" أحد رواد الديالوج الغنائي منذ "حكيم عيون" ، وكتب أشعاراً لأعمال درامية ما بين مسرح وسينما ، وتشكل جزءاً من أسلوبه الغنائي حتى وهو يكتب أغنية مثل "ست الحبايب" ، "عصام" له من ضمن تجاربه محاولة واحدة مع فيلم "أنياب" للراحل "محمد شبل" ، ولولا رداءة الصورة هندسياً لأجبرت فضولية الجيل الحالي الفضائيات على عرضه لما يثيره من جدل فكري وسياسي (=قصده وتعمده صناع الفيلم) ، وكانت أشعار "عصام" جزءاً لا يتجزأ من الفيلم وليست مجرد أغنيات عادية ، أما "محمد هلال" فمعروف لنا كواضع موسيقى تصويرية في العديد من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات ، وترك أسلوبه في التنفيذ الموسيقي آثاره على العديد من الموزعين الذين كانوا في بداية حياتهم وقت أن عملوا مع "هلال" في سنوات الثمانينيات.. ما نراه في هذا الألبوم بالذات هو "هلال" الملحن ، كما لم نره من قبل ..

"سمير غانم" ليس مطرباً بالمعنى المفهوم للمطرب ، لكنه ذكي بشكل يعرف معه إمكاناته جيداً جداً ، يجيد كمؤدي كما يجيد ممثلون كثر ، ويتعامل معه الملحنون على هذا الأساس ، والمتعة في الألبوم غير الضحك بالتأكيد هو الأداء أكثر منه الغناء ، الأداء الذي وضع على أساسه "محمد هلال" موزع الألبوم وملحن معظم أغانيه خططه ، الأداء الذي انتظره من كانوا فضوليين بالدرجة في ذلك الوقت لسماع ألبوم كوميدي في فترة كان فيها كل الغناء عاطفياً صرفاً (ولم يثر على ذلك الوضع إلا قليلون من صناع الأغنية في مصر) ، وبقي معنا ونحن نعيد قراءة ألبوم كان يعتبره البعض مجرد ألبوم "نكت" حتى وهو مرصع بأسماء ثلاثة مبدعين حقيقيين ينتمون لجيلين مختلفين.. سمح الظرف الحالي بإعادة اكتشاف اثنين منهم ، "عصام عبد الله" و "محمد هلال"..
* شكر خاص جداً للزميل العزيز "شريف" صاحب مدونة الشاعر "عصام عبد الله" .. الفيديو من "يوتيوب"..

Thursday, March 22, 2012

"أنغام" الآن الأفضل

"أنغام" حالياً الأفضل بين كل مطربات جيلها ، ليس نفاقاً ولا مدحاً مغالىً فيه ولكنه تسجيل لواقع موجود على الساحة الغنائية المصرية.. لأسباب عدة..

أتفه الأسباب وأقلها أهمية هي كونها تخلصت من فكرة كونها ابنة لملحن كبير اسمه "محمد علي سليمان" ، فالأضواء في الوسط الغنائي انحسرت عنه لابتعاده عن تلحين الأغنية ، فكل جيله تقريباً إن لم يكن الجيل التالي تفرغ للموسيقى التصويرية (وبرع معظمهم فيها كـ"عمار الشريعي" و "عمر خيرت" ، و"محمد علي سليمان" نفسه في فترة الثمانينيات حيث عصره الذهبي) ، في الوقت الذي كان الاستثناء الوحيد للقاعدة هو "حسن أبو السعود" الذي نجح في الأغنية والموسيقى التصويرية معاً ، في فترة تغيرت فيها الأغنية ، وظهرت لها مقاييس موسيقية جديدة تطلبت ملحنين جدد ظلم كثير منهم وتم وضعهم في سلة واحدة والهجوم عليهم رغم أن منهم موهوبين جداً من أمثال "رياض الهمشري" و "مدحت الخولي" و "سامي الحفناوي" والأخوين "الشرنوبي".. هي قررت فقط ألا تعيش في جلباب أبيها لأسباب عديدة منها الإنساني ومنها الفني ، فد تختلف معها، بل وترفض الشق الإنساني في خلافها مع الوالد والأستاذ والمعلم ، لكنك ستخلص إلى نتيجة أنها اختارت أن تكون نفسها فنياً..

المطرب في معادلة الأغنية في مصر هو الممثل والمخرج والمؤلف معاً ، مع احترامي للموزع الذي زاد دوره بعد انقلاب "لولاكي" ، عندما تنقد فيلماً سينمائياً فإن أصابع المديح و/أو الاتهام ستتجه رأساً إلى المخرج (قبل أن يتغير هذا المفهوم بعد تزايد سطوة نجوم التمثيل) ، أما الأغنية فمنذ "محمد عبد الوهاب" ومَن قبله ويتحمل المطرب مسئوليتها كاملةً.. وبالتالي فإن المطرب هو الذي يخط طريقه باختياره لكلماته وألحانه وتوزيعاته ..

فكرت "أنغام" "صح".. قررت أن تنتقي كلمات مختلفة ، وأكثر نضجاً ، لشعراء مختلفين منهم "بهاء الدين محمد" و "ناصر رشوان" و "عزت الجندي" و"عوض بدوي" ، ثم تعامل شعراء جدد معها على نفس الأساس ، كل منهم يفكر بطريقة تختلف عن الآخرين ، وتختار كلمات ، وألحان ، بمودات مختلفة ، بعيداً عن فكرة "لو بتحبني ما تدينيش على قفايا وما تسيبنيش وتجري يا مفتري يا قليل الأدب" ، في الألبوم الواحد عدة مودات ، بعدة ألحان ، بعدة إيقاعات ، يصعب أن يتعامل معه المستمع كـ"هيد" و"طلع ليه" تسعة أغاني أخرى..

"أنغام" تعرف عندما تختار لحناً حدود صوتها رغم قوته ، تجيد التعامل مع الأغنية بحس درامي رغم أنها لم تنجح كممثلة نجاح مطربين آخرين ، يزداد الشعور بذلك في ألبوماتها الأخيرة ، التي تشهد خطاً بيانياً متصاعداً منذ مرحلة "بتحب مين" و "وحدانية" إلى الميني ألبوم الأخير "محدش يحاسبني" ، أصبح لها مع الوقت من الخبرة وقوة الشخصية ما يجعلها تؤدي أغاني يراها البعض تصلح لغيرها ، مثل "ضي عينيك" في ألبوم "نفسي أحبك" والتي كنت أراها تليق أكثر لـ"إليسا" ، لكنها أجادت فيها أكثر من "إليسا" وبمراحل..فوق ذلك ، زادتها الخبرة اهتماماً بشكل التوزيع دون أن تقبل محاولة من أي موزع ، كما حدث من البعض في التسعينيات ويحدث الآن ، أن "يعمل نفسه تركي" أو "يعمل نفسه غربي" بما يتسبب في نوع من "الكليشة" في شكل الأغنية فيجعلها غير مقنعة ومثيرة للسخرية ، كما حدث في "رايح بيا فين" لـ"آمال ماهر" وحدث بعضه في ألبوم "شيرين" الأخير.. وبالمناسبة ، حتى على مستوى التوزيع تختار "أنغام" أكثر من "دماغ" في الألبوم الواحد ، رغم أن الميني ألبوم الأخير كله لموزع واحد هو "حسن الشافعي" الذي قدم فيه أفضل ما لديه حتى الآن..

تستطيع أن تتذكر "محدش يحاسبني" الذي مر عليه بعض الوقت بينما يمكن نسيان ألبومي "آمال ماهر" و "شيرين" وبسهولة.. ليس تقليلاً من الأخيرتين لكن "محدش يحاسبني" و من قبله "نفسي أحبك" أفضل كلمةً ولحناً وتوزيعاً ، كثير من الفروق بين المطربين فروق أدمغة أكثر ما هي فروق مواهب.. من الممكن للدماغ أن تصعد بأي موهوب لسلم النجومية ، ومن الممكن أن تحمي نجوميته ، أو أن تضعها بصاحبها على المحك.. إلى الآن "أنغام" هي الأفضل والأنضج بين مطربات جيلها والجيلين التاليين عليها بعد ربع قرن من الغناء..
* الصورة غلاف ألبوم "نفسي أحبك" (2009)..من موقع "مُشرِق دوت كوم"..

Saturday, January 21, 2012

بين "منير" و "نمرة" .. بين "اللضم" و"الرص"!

أكتب هذه السطور ،وأنا مستعد تماماً لأي انتقادات قد تصل لدرجة الشتائم بما أن هذه التدوينة "قد" لا تعجب أنصار "حمزة نمرة" ، وعلى العموم المسألة حرية شخصية ، كما هي حرية أن تقرأ تلك السطور ، أو المدونة ، من عدمه..

عندما استمعت لأغنية "بلدي" لـ"حمزة نمرة" في ميكروباص قبل أيام ، وجدت نفسي أقارنها بواحدة من روائع "محمد منير" "عقد الفل والياسمين" قبل تسع وعشرين سنة ، مقارنة لن تصب في صالح "حمزة نمرة" بالمرة ، بل يمكن قول نفس الشيء إذا ما قارننا "بلدي" بتجارب مشابهة مثل "أحسن ناس" لـ"داليدا" ("صلاح جاهين"/"سمير حبيب") ، أو حتى "بلديات" لـ"علاء عبد الخالق" ("جمال بخيت" ولا أذكر الملحن)..

وبالله عليكم ، لا أريد أن أسمع "جاي تقارنلي "منير" بـ"نمرة"".. فـ"منير" غنى تلك الأغنية في بدايات مشواره الفني وكان أصغر بعامين أو أكثر (=في التاسعة والعشرين تقريباً) من "نمرة" حين غنى أغنيته (=في الحادية والثلاثين من العمر)!

وفي تلك السن وفي تلك المرحلة من حياته كان "منير" ضمن ثورة غنائية حقيقية ، كان من قادتها كتابةً "عبد الرحيم منصور" ولحنا "أحمد منيب" و"هاني شنودة" ودخل على الخط "يحيى خليل" ثم بعد ذلك "حميد الشاعري" الذي تعامل في بداية حياته مع "منير" ، وأسماء أخرى كثيرة، وكان للكل ، مع ما بينهم من تباين ، دور في تغيير كان ضرورياً في شكل الأغنية المصرية ، جعلها أخف ، وأبسط ، وأكثر تركيزاً ، وتنوعاً في مواضيعها ،وأسهل حتى في تنفيذها الموسيقي ، قارنوا شكل فرقة "منير" التي كانت تعزف وراءه في بداياته وحتى الآن (حتى بتغير الأشخاص) بالشكل الكلاسيكي المعتاد في أغاني "أم كلثوم" و "عبد الحليم" و "نجاة" و "وردة" وما يسميه الناقد "أشرف عبد المنعم" بـ"الأغنية الرسمية"..

في المقابل جاء "نمرة" ممثلاً صادقاً وأميناً لموجة موجة موسيقية اقترنت بطبقة وفكر وثقافة معينة لا تخلُ من أعراض "عقدة الرجل الأبيض" ، تصبح فيها أمور كالثقافة والرقي مقترنةً بالنمط الثقافي الغربي ، أياً كانت نوعية الغرب ، سواء الغرب الأمريكي (بما أننا نعيش أزهى عصور الأمركة الثقافية) أو الغرب الأوروبي كمناقض وبديل للنمط الثقافي الأمريكي..ولا يخل الأمر من تأثيرات مستوردة من أماكن أخرى كأمريكا اللاتينية بالنسبة للمنتمين فكرياً (أو هكذا يقولون) لليسار (بحكم الفورة التي يشهدها اليسار في أمريكا اللاتينية).. والغريب أن تلك الموجة في مجملها وفي معظمها تمسكت بالشكل الغربي كتابةً ولحناً وأداءً في الوقت الذي كان فيه الوسط الموسيقي "شبعان غرب" بجمل مستوردة من أسبانيا وتركيا وربما إيران ، وأساليب تنفيذ أيضاً غربية في معظمها جملة وتفصيلاً (حتى حلت الإيقاعات الغربية محل "المقسوم" في معظم الأغاني التجارية الحالية) ، والمضحك فعلاً أنه (="نمرة") -مثل كثيرين غيره- وهو يحاول البحث عن أداء شرقي يصل به لآذان المستمع المصري العادي الغير منتمي لكوكب "وسط البلد" وقع أيضاً في فخ الأداء الغربي الصرف ، الذي حاول (1)"بليغ حمدي" انتشال "عفاف راضي" في بداياتها منه.. باعترافها!

استمعت للأغنيتين ، لم ألق بالاً لفرق الاسم الكبير في الوقت الحالي بين "منير"و "نمرة" ، مع علمي التام بأن "منير" وقتئذ كان في بداية طريقه الفني كما سلف الذكر ، لكن الفرق الضخم ليس في "الدماغ" والثقافة بل حتى في الروح كان يطاردني وأنا أقارن بين الأغنيتين ، "منير" المصري جداً وهو يشعر بما يغنيه ، ويؤديه بصدق شديد ، وإدراك وفهم ، ويعيش حالة الأغنية التي لم تخل - للمصادفة - من تجربة شخصية عاشها "منير" - ربما- بشكل جزئي أو كلي ، فالأغنية التي كتبها "فؤاد حداد" ولحنها العملاق "أحمد منيب" تتناول - كما ظهر لاحقاً- ما يشبه رحلة القطار ما بين "أسوان" و "الإسكندرية" والتي يمر فيها القطار على عدد لا حصر له من المدن والقرى والكفور والنجوع ، هي كل مصر تقريباً ، طبعاً لم أطلب من "نمرة" أو غيره ركوب قطار "اسكندرية-أسوان" وبالعكس لكي يعيش التجربة ، لكن الفنان الموهوب الذي يؤثر في عقل ووجدان جمهوره يشعر بروح ونبض الناس ، حتى ولو لم يشاركهم نفس تجاربهم ، فيجيد في نقلها بصدق بشكل فني جميل يعيش في ذاكرة وقلب المتلقي.. هكذا استمر "منير" ونجح "الحجار" ومن الممكن أن ينجح الآن غيرهما..

إنما تفرج صاحبَنا الأجنبي "نمرة" ، هو يغني كسائح أجنبي ، أداءاً ، مخارجاً ، حركةً ، بدرجة تجعلك توشك أن تستمع للكنة الخواجة "بيجو" -لمن يتذكره- أو تستلهم "حسين الجسمي" وهو يغني تتر "أهل كايرو" بروح مطرب خليجي يقدم فقرة في حفل في مصر ، حتى "داليدا" التي لم تعش كثيراً في مصر استطاعت ببساطة الأداء وخفة الظل (وكلمات "جاهين" طبعاً) أن تكسب أذن المستمع المصري في "أحسن ناس" ، صحيح التنفيذ كان غربياً بما أن تلك كانت الموضة في بداية عصر "الديسكو" في مصر ، لكن "حبيب"كان أوعى وهو يوزع وينفذ فلم يسقط في الفخ بسهولة!

فرق اللغة مرعب في الأغنيتين ، "حداد" الذي كتب الأغنية (قبل رحيله بعامين) استوعب فكرة شريط القطار ، الذي يشبه خيطاً ، تلضم عليه حبات الياسمين ، المختلفة في حجمها ، لونها ، رائحتها ربما ، لكن تبقى كلها حبات ياسمين ، حتى الملاحظ للأغنية يرى أن الأماكن فيها غير مرتبة جغرافياً..

قنا سوهاج الاسماعيلية
بنت الصعايدة بحرية
الاقصر غزالة محنية
في اسكندرية ترسينا

لكن تلك الأماكن "ملضومة" في بعضها البعض ، بشكل بديع ، ومبهر ، تصعب مقارنته بنظرية "الرص" المتبعة في أغنية "حمزة نمرة"..

أيــام وبتجري بينا
ولا يـوم أبــدآ نسينا
دم الأبطــال فــى سيينا
أرض الفــيروز يابــلدى

امتداد لنظرية الرص ، التي نعرفها عن ظهر قلب ، الفرق أننا كنا قبل "حمزة" كنا نسمعها في الأغاني العاطفية التقليدية حتى الملل "حنين.. سنين..فرح..جرح.. حبيبي .. نصيبي .. عيونك.. شفايفك..الخ" أما الرجل فقرر استخدامها استخداماً جديداً يبرز أسنانك من بين شفتيك وأنت تضحك أحلى ضحكة صفراء نهههههههههه!

حتى الفرق المرعب امتد إلى التنفيذ ، "بساطة" التوزيع في "عقد الفل والياسمين" سر نجاحها موسيقياً ، حتى عندما أعيد توزيع تلك الأغنية في ألبوم مشوار (1991) لم تحقق نفس النجاح (2).. صحيح أن سرعة الإيقاع متقاربة ، رغم عدم تخصصي في الموسيقى أستطيع أن أقول أن سلم الأغنيتين واحد أو قريب من بعضه البعض ، لكن في أغنية "منير" كان التنفيذ بسيطاً خالياً من التعقيد ، فاصل موسيقي عبارة عن جملة إلكتريك جيتار مكررة مرتين يشعرك بالفرق فيها "الخط الخلفي" خط "البيز" .. والتوزيع كله ثلاث أو أربع آلات فقط.. البساطة هي كلمة السر في التعامل "الجيد" من الموزع الموسيقي مع أي لحن يلحنه "أحمد منيب"..

"بساطة" "منير" المستمدة من بساطة الشخص والروح والجيل صاحب الأحلام العريضة على بساطتها والرغبة العارمة في الثورة والتي نقلها بأدائه وأسلوبه إلى التوزيع الموسيقي المصري رغم مشاركة يد وعقل ألمانيتين فيه (="رومان بونكا") ، تقابلها "بهرجة" توزيعية تنفيذية من جانب "نمرة" نفسه- الموزع برضه- الذي أخفق - وهذا رأيي الشخصي- في استغلال تيمة مصرية صرفة في تقديم أداء وشكل موسيقي يمت لمصر بأدنى صلة ، فرح بلدي في الفواصل بنظرية الهجوم الجماعي التي تعيد للذهن خطة 4/2/4 الشهيرة في عالم كرة القدم ، "آل يعني" دمج للآلات التي تعكس الروح المصرية في بعضها البعض على طريقة مربع "الماء - النار - الهواء - التراب".. بل ما يدهش هو الاستخدام الغريب لتيمة "يا عزيز عيني" الحزينة أصلاً بهذا الشكل الكرنفالي السياحي (3).. بهرجة تليق بمزاج ثقافي طبقي تغلب عليه الشكلانية وحب البهرجة..الفرق رهيب ليس فقط بين الرجلين كمطربين لهما جمهور على الساحة ، بل بين اللضم الذي يبقى عملية فنية مقارنةً بالرص الذي يمكن لأي شخص عادي بل متواضع الموهبة أن يفعله ،وبسهولة..

وسيتهمني البعض بالانتقاص من "حمزة نمرة" والنفسنة من نجاحه "المدوي".. وأرد بالقول بأنه لولا الربط بين أغانيه والثورة ، وحاجة الناس للشعور بالمزاج الثوري هي التي أبقته في الواجهة ليس إلا ، وحين كان يتم تلقي الأعمال الفنية عامة والموسيقية خاصة بشكل أهدأ لم نحسه ولم نحس به.. مرة أخرى .. لن تكون المقارنة بين "منير" و "حمزة" في صالح هذا الأخير ، "حمزة" وجد تهليلاً وتشجيعاً غير عادي كصاحب أي Hit تروق للبعض ، وسينساه الجميع وسينسوها بسهولة (اللي يشوف "علي حميدة" يقولنا هو فين دلوقت)، في الوقت الذي كان ينتقد فيه "منير" وقت أن كان في سنه يُهَاجَم ويحظى بسخرية عنيفة فيما يختص بموسيقاه وطريقة وقوفه على المسرح وحتى ملابسه ، وأصبحت أعماله بعد عقدين يعاد اكتشافها ، وبقي هو من أبناء جيله -مع احترامي الشديد لـ"الحجار"- واختفى الآخرون..
(1)ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه اسمه "طلعت زين" عاش حياته كلها مطرباً غربياً فلم يخرج علينا بمحاولة غناء "الأطلال" مثلاً ليقينه بأنه لا يجيد في هذا اللون فتذكره الناس بالخير بعيد رحيله..
(2) وإن كانت "شجر الليمون" في نفس ألبوم "مشوار" تعجبني جداً ، وكانت رؤية جيدة جداً للأغنية الجميلة في نسختها القديمة..
(3) ..وستندهش عندما تعلم أن ممن هلل للأغنية ولهذا الاستخدام لتيمة حزينة بهذا الشكل هم من انتقدوا "أشرف محروس" بسبب توزيع أغنية "فاليري جيسكار ديستان" من فيلم "الفاجومي" بل ووصف بعض هؤلاء ذلك التوزيع بأنه "على طريقة اللمبي" .. رغم أن الأغنية الأصلية مزاجها ساخر ، وتوزيع "محروس" سار في نفس الاتجاه دون أن يغير من جوها .. بل أرى أنه "نَطَّقها" أكثر..
* الصورة من موقع "المشهد"..

Friday, August 05, 2011

تترات رمضان هذا العام : مجموعة ملاحظات



لم تتح لي الفرصة كاملة لمتابعة معظم مسلسلات رمضان هذا العام .. لحسن الحظ أم لسوء الحظ لا أعرف .. وبما أن "الجمهور" عندي في المنزل مقبل على "المواطن اكس" فقد يكون ذلك المسلسل هو الوحيد الذي سأكتب عنه تفصيلاً ، إن أراد لي الله عز وجل البقاء والتذكر.. لكن في المقابل قدمت قنوات "الأوربت" خدمة خمس نجوم بإذاعتها تترات المسلسلات التي ستذاع عليها على سبيل الترويج ، فضلاً عن تتر هنا وتتر هناك .. خرج منها كاتب السطور بملاحظات تصلح لملء تدوينة..

1-"المواطن اكس" : يكسب "محمد عدوية" كل يوم أرضاً جديدة بعد نجاح ألبومه "المولد" ، وبعد أن قرر خوض تجربة الغناء "الدرامي" بغناء أول تتر له لمسلسل "اكس".. صحيح أنه وقع في نفس الفخ الذي وقع فيه مطرب آخر سنأتي بعد قليل على ذكره ، وهو الاستسلام للمواهب الفنية المدفونة لمنتج ألبوماته ، إلا أن لحن "عدوية الابن" المتناسب تماماً مع إمكانياته الصوتية و أداءه "المصري جداً" رغم احتياجه للتمرين بشكل أفضل على مخارج الألفاظ، مضافاً إليه التوزيع الموسيقي لـ"أحمد العسال" -وسبق أن عمل كثيراً مع "عدوية" الابن- جعلوا من هذا التتر الأكثر تميزاً فيما سمعت ، حتى صباح اليوم فقط .. إيقاع محبب لأذن الجمهور المصري ، مساحات تطريب ، مضمون أيضاً يروق لشرائح واسعة من الناس .. ربما يكون هذا التتر على طريق تتر "العار" الذي كان واحداً من أنجح أغاني العام الماضي وليس فقط من أنجح تتراته ..

2-"شارع عبد العزيز": أغرب عملية تغيير تتر في تاريخ الدراما المصرية والعربية.. صحيح أنه سبق وأن تعمد المؤلف والملحن تغيير أجزاء من التترات بحسب الهدف الدرامي كما حدث في رائعة الدراما المصرية "الشهد والدموع ج1" ، إلا أن ما حدث ولأسباب إنتاجية وفنية ولأسباب لا نعلمها ، ولحسن حظنا ، أن التتر تغير تماماً وبكامل فريق عمله , بعد عدة حلقات من المسلسل ، اليوم فقط سمعت التتر الجديد الذي أفاقني من كابوس تتر المسلسل القديم الذي كتبه الموهوب "خميس عز العرب" وأفسده "خالد جودة" مع صوت مجتهد نسبياً اسمه "أحمد عفت"..

التتر الجديد شيء آخر يختلف ، كتبه شاعر مخضرم هو "جمال بخيت" ، ولحنه وغناه "أحمد سعد" الذي نتفق ونختلف عليه كمطرب وملحن ، والسيء في الأمر أنه لم يتم ذكر اسم الموزع في التترات (وجايز ما أكونش شفته بوضوح علشان ما نظلمش حد) وهو البطل الحقيقي لهذا التتر الرائع الذي اقتنص المركز الأول في تقييمي من تتر "اكس"..

من سمع التتر القديم ، ومن يتوقع تترات مسلسلات الدراما الشعبية ، التي تدور أحداثها في مناطق وأحياء شعبية ، ينتظر بالتأكيد إيقاعات شعبية ، على صوت مطرب من مطربي "الشعبي الجديد" يصول ويجول أياً كانت إمكانياته الصوتية ، أوكورديون على ناي على قانون ، على كلمات عن الحارة وأهل الحارة وناسها الطيبين و..و..لكنه لم ينتظر ما قدمه الثلاثي "بخيت" و "سعد" والموزع الذي لا أعرفه ، وضعوا تحت الأخير عشرة خطوط..

ضرب الموزع كل التوقعات واحداً واحداً في مقتل ، وقرر مع "سعد" و"بخيت" تقديم شيء صادم ومختلف ، من وحي المسلسل وفكرته ، حي شعبي في العام 2011 تجعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية الحياة فيه شديدة القسوة..ما كان من الرجل أولاً إلا أن قرر عمل كوكتيل عجيب ، بين لحن شديد الشرقية (وشاكك إنه فلكلور بالمناسبة) بدأه على خلفية جيتار كهربي وإيقاعات بمقطع من ابتهال شهير للشيخ "سيد النقشبندي" ، به المساحات الصوتية التي يحب "أحمد سعد" غناءها (زي أغاني دكان شحاتة واللي كانت برضه مع "جمال بخيت) ، وإيقاع غربي عنيف ومستمر بدون وقفات أو تغيير يذكر في الرتم ،وطبعاً مع الجيتار الكهربائي الذي تحول إلى آلة ثورية (لارتباطه على الأقل في أذهاننا بـ"إزاي")وأصبح له مكان في الأغنية التجارية المصرية منذ سنوات .. الإيقاع ، الجيتار ، مع اللحن البسيط جداً المكون من جملة واحدة والذي تتغير عليه المقاطع كما هي عادة أغاني الفلكلور أو الأغاني المستوحاة منها (زي "مظلوم" "محمد محيي" مع شوية اختلافات) .. وإن كان لديك مشكلة مع صوت "سعد" .. فإن تتر الختام هو نفس تتر المقدمة ، ولكن instrumental ، موسيقى فقط ..

3-ليه يا "ياسر": كان لسان حالي يقول عندما سمعت تتر مسلسل "آدم" "ليه يا ياسر.. ليه يا ياسر"؟

أكبر خطأ وقع فيه واحد من أفضل واضعي الموسيقى التصويرية في العالم العربي كله "ياسر عبد الرحمن" الذي قدم للدراما العربية روائع لا تنسى ، هو أنه قبل ، وبمحض إرادته ، وفي كامل قواه العقلية ، أن يتعامل مع أضعف صوت تعامل معه طوال تاريخه الذي يمتد -كملحن- لعشرين عاماً ، شعرت عندما سمعت الأغنية أن "تامر" أشبه بمن يقفز ليطال سوراً عالياً ليتسلقه دون طائل..بل كان "ينهج" في بعض أجزاء الأغنية .. لست متخصصاً في الموسيقى لكني أشعر أن لغة "ياسر عبد الرحمن" الموسيقية أعلى بكثير من إمكانيات "تامر حسني".. الذي لا يستطيع أداء أي نوع من الغناء في الوقت الحالي سوى ما يقدمه في ألبوماته..كان هذا التتر بصراحة يحتاج لصوت مصري كبير اسمه "مدحت صالح".. الذي سبق له التعامل مع كاتب التتر "أحمد فؤاد نجم" و"ياسر عبد الرحمن" في "حضرة المتهم أبي".. و"مدحت" بعمره الطويل في الوسط الغنائي يعلو أداؤه ويهبط مع اللحن ، ومع "ياسر عبد الرحمن" لا يستطيع أن يقاوم التحدي الذي تقدمه له جمل الوتريات التي تخصص فيها الملحن الموهوب فيتحول إلى وحش غنائي بكل ما تحمل الكلمة من معنى..

لكن السيد "تامر حسني" رأى وهذه وجهة نظره في المسلسل ، وفي التعامل مع شاعر هو آخر من يتصور مخلوق في العالم أنه يتعامل معه يوماً "أحمد فؤاد نجم" ، ومع ملحن تخصصه العمل -في الغالب- مع مطربين بحق وحقيق كـ"مدحت صالح" و"الحجار" و"محمد الحلو" ، محاولة لتحسين صورته التي أفسدها بنفسه ، ولم يفسدها له أحد ، أثناء ثورة الخامس والعشرين من يناير ، رغم أن المسلسل كان يتم الإعداد له قبل الثورة بأشهر..وكان من الممكن أن يستغل سيادته الفرصة لتقديم نفسه كممثل ، لا كمطرب ، بأن يترك غناء المقدمة لمن يصلح.. لكن تقولوا إيه بقى؟

4-"دوران شبرا": رغم القبول الذي يحظى به "بهاء سلطان" لدى شرائح من الجمهور وأنا منهم بالمناسبة ، وتقديمه لألبوم غنائي لم يكن سيئاً قبل رمضان بعدة أسابيع ، ورغم أن "إبراهيم عبد الفتاح" أضاف عمقاً لأداء "سلطان" ، الذي تخلص ولو مؤقتاً من مواهب منتجه "نصر محروس" في عالم الشعر الغنائي ، إلا أنني لم أشعر بأن أغنية المقدمة لـ"دوران شبرا" "سمعت" مع الناس بما يكفي للمقارنة بتتر "اكس" على سبيل المثال..

5-"فضل شاكر" في "الريان" لم يحقق نجاحاً يذكر رغم تعامله مع نفس ثلاثي "العار" -"أيمن بهجت قمر" ، "وليد سعد" ، "عادل عايش" - لأنه دخل ملعباً ليس ملعبه ومنطقة لا تبدو كمنطقته .. "نانسي عجرم" بجماهيريتها فشلت في تجربتها الثانية مع التترات ، هندسة الصوت في تتر "سمارة" سيئة للغاية ، "محمد يحيى" واصل تكرار أخطاء "محمود طلعت" في تطويله غير المبرر لجمل لحنية ، حتى الكلمات من النوع الذي نطلق معه الـ"ههههههههه" إياها.. "وائل جسار" شرحه في "كيد النسا".. ويبدو أن "محمد يحيى" - مع احترامي له - يحتاج لـ"أيمن بهجت قمر" و الموزع "توما" وربما لـ"أبو الريش" لكي تنجح ألحانه درامياً.. وانتظرت من "عمار الشريعي" ما هو أفضل في "الشوارع الخلفية" .. لكن مع أشعار "مدحت العدل" لا داعي لإبقاء سقف التوقعات عالياً..لم أسمع تتر "خاتم سليمان" من بدايته كي أتأكد من اسم من تغنيه ، لكني كمستمع عادي لم أرتح له..ولا لتتر "نونة المأذونة"..

ملاحظة صغيرة ..خلا ما سمعت من تترات تقريباً من أي تتر مقدمة موسيقي فقط ، مثل تتر "بالشمع الأحمر" مثلاً لـ"خالد حماد"..باستثناء "عابد كرمان" فيما عدا ذلك هناك تترات ختام موسيقية فقط كما في "آدم" لـ"ياسر عبد الرحمن" أو نسخة موسيقية فقط من تتر المقدمة كما في "شارع عبد العزيز" - المعدل!

قد تتفقون مع بعض ، أو كل ما كتبت ، وقد تختلفون مع بعض ، أو كل ما كتبت.. وكما هي العادة..تبقى الكرة في ملعبكم..
* الصورة من Nogoom دوت كوم..

Friday, July 22, 2011

تتر "دموع في عيون وقحة" : أقوى من الذاكرة



فكرت كثيراً في الكتابة عن تتر هذا المسلسل بالتحديد ، هو تتر أقوى من قدرة الذاكرة على النسيان ، وللمصادفة أذيع هذا المسلسل لأول مرة في رمضان ، ويبدو أنها صارت عادة لدى العبد لله أن يطلق قبل الشهر الكريم تدوينة نوستالجية تعيد الإنسان إلى الماضي الجميل وذكرياته..

لا أبالغ إن قلت إنه واحد من أجمل تترات المسلسلات العربية على الإطلاق ، تتر يقتسم نجاحه موسيقار بحجم وثقل وخبرة "عمار الشريعي" ، ومخرج بحجم وثقل وخبرة "يحيى العلمي"..

صحيح أن فترة الثمانينات التي أنتج فيها المسلسل ظهر فيها عدد من مؤلفي الموسيقى التصويرية الموهوبين في أحسن حالاتهم ، منهم إلى جانب "الشريعي" "هاني شنودة" على سبيل المثال ، لكن تشعر بأن "عمار" الثمانينات ، وتحديداً هذا الجزء من الثمانينات شكل آخر ، احساس عال رغم سهولة وبساطة التنفيذ الموسيقي ، وتريات صنعت جزءاً من تميز موسيقى التتر بمقدمته التي صارت علامة مميزة للمسلسل ، وبيز جيتار تسمعه بوضوح وتلاحظ تأثيره من الثانية الأولى إلى الأخيرة ، ولمسات مميزة على الكيبورد ميزت موسيقى المسلسل ، وموسيقى مسلسلات أخرى عاصرت تلك الفترة منها "غداً تتفتح الزهور" ، وجملة الكولة المميزة التي أعتقد أن عازفها هو "إبراهيم كولة" ، الرجل الذي لفت النظر لآلة موسيقية مصرية صرفة فرضت نفسها لاحقاً عندما تغير شكل الأغنية وصار إيقاعها أسرع لتسحب الأضواء من الناي الذي يعرفه الناس أكثر ، وأشعر أنه كان ترجمان "عمار الشريعي" لآذان الناس في تلك المرحلة من مشواره الفني الحافل..

لكن ما يلفت النظر جداً هو العلاقة الغريبة التي أشعر بها على الأقل بين تصميم التتر والموسيقى ، أشعر أن اختيار الألوان المستخدمة في اللوحات ، ما بين أحمر ، وأبيض ، وخلفية سوداء ، ناهيك عن الأبيض والأسود في صور الممثلين الرئيسيين وبعض اللقطات "الفوتوغرافية" ، والكتابة الصفراء جاء متماشياً وبشكل غير طبيعي مع السلم الذي عزف منه التتر ، وصححوني على اعتبار التواضع الشديد جداً في ثقافتي الموسيقية..

من الملاحظ أيضاً وسط كل تلك الرسوم تواجد عنصر البحر بقوة ، سفن هنا وهناك على الخلفية السوداء ، لذلك علاقة بقصة المسلسل ، الذي تصادف أن يكون كاتب السيناريو له هو "صالح مرسي" ، الرجل الذي كان أحد من قدموا ما عرف بـ"أدب البحر" في العالم العربي ، وله فيه روائع شوهها بعض المخرجين بعد رحيله كـ"البحار مندي"..

بالمناسبة ، في تلك الفترة كان من العادي أن تخلُ مقدمات المسلسلات ونهاياتها من أي لقطة من لقطات المسلسل ، اكتفاءً فقط باللوحات التعبيرية (="مايروحش دماغكم لبعيد" :))، أو بعرض لمنظر متحرك تتحرك عليه الأسماء من أعلى لأسفل كما فعل "إسماعيل عبد الحافظ" مثلاً في "الشهد والدموع" (وقد يكون ثابتاً كما فعل "يوسف مرزوق" في الجزئين اللذين أخرجهما من "ثلاثية نجيب محفوظ") ، منها نوع من التشويق ، ومنها شكل فني كان سائداً لحين من الدهر في الدراما المصرية ، لتختفي مع اختلاف نوعيات المسلسلات التي تحتاج لتقديمها للناس -بما أن "الجواب بيبان من عنوانه"- بشكل "بصري" آخر .. وصل لأسوأ مستوياته مثلاً في المسلسل السيء "لن أعيش في جلباب أبي" ، والمأخوذ عن نص أدبي أسوأ ، الذي قدم مجموعة من اللقطات كانت كافية جداً لحرق المسلسل ، أكبر خطأ فادح ارتكبه المخرج والممثل الراحل الكبير "أحمد توفيق" في حياته!

مرت السنوات واستحال فصل موسيقى "دموع في عيون وقحة" عن الصورة ، كما لو كانا توأمين ملتصقين ، حتى عندما أعاد "الشريعي" توزيع مقدمة المسلسل في ألبوم خاص لم تكن بنفس سحر موسيقى الثمانينات وتقنياتها الأبسط بكثير من تلك اليوم.. بصرف النظر عن موقفك وموقفي من "عادل إمام" .. يبقى "دموع في عيون وقحة" ، وتتره بالذات ، أقوى من أن ينساه المرء بسهولة .. كحال أي عمل فني جميل في ذاته ، فما بالك لو ارتبط بذكريات جميلة في الصغر ، وقت أن كانت الحياة أبسط والبال خالياً.. كل عام أنتم بألف خير..
* الفيديو - طبعاً - من الـ"يوتيوب"..

Sunday, March 28, 2010

أنا مش خرونج


تقتضي الأمانة احترام النجاح ، والاعتراف بأنه ترجمة لوجود شيء -واحد على الأقل - جيد فيه ، سواء جهد مبذول أو ابتكار أو توفيق .. ولكنها (=الأمانة يعني) لا تلغي حق أي متلقي في الاتفاق أو الاختلاف مع أي شيء ناجح..

بدايةً أقر وأعترف أن أغنية "أنا مش خرونج" "علقت" وحققت نجاحاً مدوياً ، وربما كانت أنجح أغاني ألبوم السيد "أبو الليف" ، بسبب عنصر "الخدعة" الذي نجح "محمد يحيى" الملحن و"توما" الموزع في توفيره لأغنية من هذا النوع.. حيث وفروا خلفية هادئة رومانسية لكلمات الأغنية التي احتفظت بإفيهها بداخلها دون إظهاره في البداية كما هو معتاد هذه الأيام..وقد تستغل هذه الأيام استغلالات أخرى في مجالات شتى أهمها السياسة ، في ظل ما يتم استكرادنا به تحت اسم "الحراك السياسي"..

ولكني أختلف تماماً مع كل المبالغات التي قرأت بعضها حول الألبوم ، وحول شاعره "أيمن بهجت قمر" والذي وصل الأمر بالكاتب "محمد عبد الخالق" في موقع "في الفن" بوصفه بأنه "بيرم التونسي العصر الحالي" ، وهو أمر أجد صعوبة كبيرة في فهمه وفي بلعه..

قيل أن الألبوم عودة إلى فن "المونولوج" الذي قدم من عشرات السنوات على أيدي "إسماعيل ياسين" و "ثريا حلمي" و "شكوكو" و "سيد الملاح".. ماشي.. جميل أن يعود المونولوج أو الأغنية الكوميدية لمن يصر - وله حجته الوجيهة- على عدم دقة إطلاق هذا المصطلح على هذا القالب الفني المميز ، كمحاولة لكسر حالة الاكتئاب التي تكسو الفن المصري على كافة ميادينه ، وكمحاولة لتقديم رسالة أو رأي أو وجهة نظر كما كان يفعل المونولوج في السابق ، كما أنني لن أفتح المندبة مترحماً على زمن الفن الجميل ولا زمن المونولوج الجميل ، لكن لي ملاحظة واحدة فقط..وهي تتلخص في أنه لا "أيمن بهجت قمر" "بيرم التونسي الألفية الجديدة" ، ولا المونولوج مناسب لإمكانياته التي لا يخفى على أحد محدوديتها..

أهم شيء في "المونولوج" ببساطة هو الكلمات ، وقوته في الزمن الماضي لم تكن -فقط- في ضخامة الأسماء التي احترفت كتابته مثل "بديع خيري" و "أبو السعود الإبياري" حتى "بخيت بيومي" في الثمانينيات ، والأسماء التي لم تحاول حسب علمي كتابته رغم قدرتها على ذلك كالراحل الرائع "عبد الرحمن شوقي" ، ولكن في امتلاكها لأمرين اثنين : ثراء حصيلة الكلمات ، والقدرة على الابتكار والمباغتة.. صحيح أن مونولوجات الأمس لم تتناول مواضيع ضخمة الأهمية من عينة "أزمة الشرق الأوسط" ولا "الشباب والرياضة" .. لكنك كنت تشعر بجاذبية الكلمات وتنوعها وسهولتها وسلاستها .. ولا عجب في أن كتاباً بهذه المهارات ، وبخاصة "بديع" و "الإبياري" ، قد حققوا نجاحاً مدوياً ككتاب للحوار ، بل يعدان من أهم عشرة كتاب حوار في تاريخ السينما المصرية ،إن لم يحجزا ترتيباً متقدماً في الخمسة الأوائل..

مع احترامي لـ"أيمن بهجت قمر" ولمحاولاته فعل كل شيء ، كتابة سيناريو هنا ، شعبي هناك ، وربما يكتب بالفصحى قريباً ، إلا أن "حوار" المونولوج أكبر بمراحل من قدراته ، وهو يعاني من "الاستسهال" ، بل لا أبالغ إن قلت أنه أحد أهم رموزه حالياً ، فقد اشتهر ، أكثر من غيره ، بتحركه بين مجموعة ضئيلة وقليلة من الكلمات يكررها من حين لآخر..تنكسر أوزانه أحياناً فيحاول "طلسأتها" بأي من "المسامير" المستعملة في مجاله من عينة "وأنا" و "طب" ..نسخة جديدة من "مصطفى كامل" ، صحيح أن سمعة هذا الأخير في "الحصول على أفكار أغانيه" "مسمعة" في كل مكان ، لكن كلاهما يشتركان في نقص الثقافة وقلة القراءة والاطلاع وضعف الابتكار .. والاستسهال طبعاً..فما بالكم عندما يفكر أي منهم وخصوصاً "أيمن" في أصعب أنواع الكتابة الغنائية : الغناء الكوميدي أو "المونولوج" أياً كان المصطلح..

وعندما أحس بحرج موقفه لجأ -مثلاً- في أغنيته "أنا مش خرونج" في محاولة منه لصنع إفيه بأي طريقة إلى استعمال ألفاظ فائقة القدم ، من عينة "خرونج" العبارة التي انتهت صلاحيتها كـ"شتيمة" منذ "عادل إمام" في "شاهد ما شافش حاجة" ، وكذلك عبارة "كاورك"* ، و "كنج كونج" الذي نسته الشريحة التي يزعم "أيمن" التحدث باسمها منذ الفيلم الذي أخرجه "بيتر جاكسون" منذ خمس سنوات ، حتى مصطلح "بنج بونج" لم يعد يستخدم بكثافة لوصف لعبة "تنس الطاولة" في السنوات العشرين الأخيرة..

ولأن الفهلوي "نصف ذكي" ، فاعتمد "أيمن" على حالة الانبهار التي يصنعها أداء "أبو الليف" -الرومانسي جداً والجاد جداً جداً- لمقطع "أنا مش خرونج" مع ارتفاع لحن "محمد يحيى" ، من أجل الغلوشة على التفكير في علاقة "البنج بونج" بـ"الفيس بوك" ، وتفاخر الحبيب بأنه "أراجوز متربي في سيرك"..و"مش عيل كاورك".. قد تجد الكثير من الحذلقة والفذلكة فيما قلت ، لكني مصر على أن "المونولوج" يضحكنا لأنه موجه "ع النافوخ عدل" مع الاعتذار لـ"أحمد زكي" في "البيضة والحجر"، أما ما يحدث فهو تكرار لما كنا نعيشه في المرحلة الثانوية مع كتب اللغة الفرنسية - المكتوبة بنفس الاستسهال- والمشيعة بإكليشيه : "ليس من المهم أن تفهم كل شيء".. "أديك عشت مع "أنا مش خرونج".. مش مهم يخش الباقي دماغك ..حننهب؟"

من حق "أيمن بهجت قمر" وغيره أن يحاول ، ومن حقنا أن نقبل ونرفض ، والأهم..من حقه أن يعلم أن الأمر يحتاج لتمرين وثقافة واطلاع.. فلكي تحلق كنسر ، يجب أن تدرس جيداً كيف تحلق النسور.. وأنه لو كانت المسألة إفيهين ثلاثة يتم استحضارهم من المتحف "ما كانش حد غلب"..ولـ"قطعت" العصافير على الجوارح في أكل عيشها..
*يقال أن أصل "كاورك" عبارة "cow-work" والتي كانت تطلق زمن الاحتلال الإنجليزي على من يعمل بلا عقل كالبقرة تماماً.. لست متأكداً تماماً من صحة هذه المعلومة بالمناسبة .. الصورة من محيط..

Thursday, February 12, 2009

هات قفص للباشا!


"الرقابة على المصنفات الفنية".. جهاز يراه كل منا بطريقته ، البعض يراه شراً لا بد منه ، والبعض الآخر يراه شراً فقط .. لكن المؤكد أنه أحد "ظلال" و"ترمومترات" الدولة في مصر ، شئنا نحن ، وشاء صناع الأعمال الفنية ، وشاء مؤيدوه ، ومعارضوه ، وموظفوه ، أم أبى كل من سبق.. ومن يعرف أكثر عن تاريخ هذا الجهاز سيرى فيه مرآة تلخص كثيراً من التوجهات السياسية التي يعاصرها أكثر ربما من شخوص وتوجهات وأفكار القائمين عليه..

ولأننا نتحدث عن "الرقابة" فبالتأكيد سنتحدث عن "الخطوط الحمراء".. وإذا نحينا التوجهات السياسية جانباً (النظام والشخصيات المقربة له والقوى السياسية والمذهبية الدينية المتحالفة معه ...الخ) بما أنها "فضفاضة" تتغير من عهد إلى عهد ومن فترة إلى أخرى في نفس العهد ، تبقى هناك خطوط حمراء أخرى تتعلق بالسلم العام ، والوحدة الوطنية ، والجنس ، والدين.. وهي خطوط واضحة يعرفها جيداً عامة الناس وليس مؤلفو ومنتجو الأغاني والمسلسلات والأفلام..

وينقسم صناع الأعمال الفنية أمام هذه الحقائق إلى عدة فرق ..فريق من أصحاب قضايا يهمهم أن تصل لأكبر عدد من الناس ، ولكي تصل هذه الأعمال فعليها تخطي حاجز الرقابة ، وبالتالي فإنه لو تخطت أفكارهم تلك الخطوط الحمراء فإنهم يبدون قدراً من المرونة أثناء تعاملهم مع الرقابة حتى وإن تصادموا معها أحياناً ، وهؤلاء يحترمهم أغلب الناس وإن اختلفوا معهم ، وفريق آخر "محترف" يتقن تمرير ما يريد من محظورات تتعلق بالجنس واللغة البذيئة والتلميحات الطائفية فوق رءوس موظفي جهاز الرقابة ، يحترم الناس ذكاء هؤلاء ولا يحترمهم ، وفريق ثالث يسمى فريق "لا تصالح".. يبحث عن المحظورات من أجل المحظورات ، ويلفقها في أعماله تلفيقاً كي يظهر بمظهر الجرأة السياسية والفنية، وعندما ترفض الرقابة يهم بتمثيل دور الشهيد ويبدأ في الصراخ لكي يستدر عطف المثقفين.. وهذا الصنف لا يحترمه السواء الأعظم من الجمهور خاصة الذين لا يحترمون من يستغبيهم!

ولكن يبقى فريق رابع هو الأذكى بين هؤلاء جميعاً.. الفريق القادم من أسفل درجات السلم الطبقي.. مهما اختلف كاتب السطور واختلفنا جميعاً حول ما يقدم إلا أنه يبقى الوحيد الذي يحقق هدفه بلا خسائر..

جاء مطربو الميكروباص و"الشعبي الجديد" من القسم الأدنى من الطبقة الفقيرة ، ومن طبقة "الفقراء الجدد" - ساكني العشوائيات- وهم الأكثر تعاملاً وتصادماً مع "الدولة" بدايةً من صغار ضباط المرور إلى صغار المخبرين إلى صغار ضباط الشرطة والموظفين.. هذا التعامل جعلهم ينتهجون سياسة عبقرية تتيح لهم التعايش مع الدولة في صراغ "غير متكافئ" يجمعهم بها كل يوم.. سياسة تجعل الكل يربح .. أو ما يوصف لدى "المثقفين" بالـwin-win situation..

النظرية ببساطة : عندما تفعل ما تشاء رغم أنف الباشا فإنك قد انتصرت واسترحت ، وعندما تعطي الباشا "برستيجه" فإنك تعطيه شعوراً وهمياً بالانتصار يريحه .. وبهذا يخرج الجميع مسروراً في النهاية.. شيء يشبه من بعيد نظام (هات "قفص" للباشا)!

إبان تولي "حمدي سرور" الرقابة في التسعينيات أزعجته أغاني "شعبان عبد الرحيم" وقام بمصادرة شريط "كداب يا خيشة" في ذلك الوقت فأرسل له "شعبولاً" -بحسب صحيفة- برقية اعتذار عن تلك الأغنية ، وأغنية أخرى مطلعها "صادق يا خيشة وكلك طيابة.. زعلت منك حتى الرقابة".. وإن كنت أشك أحياناً في مصداقية هذه الواقعة..

ما أنا متأكد منه ، أن "بعرور" صاحب "العنب" أبدى مرونة كبيرة جداً عندما طُلِب إليه -من "السبكيين"- تعديل مطلع الأغنية خاصةً ما يخص "الحشيش" (أكل العسل حلو بس النحل بيقرص..شرب الحشيش مزاجه عالي والراجل اللي يكرس) لكي يمكن استخدامها في فيلم "أيظن" للمخرج "أكرم فريد".. ونجحت النسخة الأخرى - المعدلة رقابياً- نجاحاً كبيراً -أكثر من الفيلم- وإن كان لا يقترب طبعاً من النسخة الحقيقية التي قال فيها ما يريد!

وحتى عندما اكتشف جهاز الرقابة على المصنفات الفنية وجود أغنية "العبد والشيطان" ضمن مسرحية "ترالملم" للممثل "سمير غانم"-بعد أكثر من عام على انتشارها الكاسح في الأسواق- والتي -كما يراها الجهاز الرقابي- "تحرض على المعصية" و"شرب الخمر" لم تأخذ العزة "محمود الحسيني" ولم يتقمص دور "خالد يوسف" وقبل التعديلات لكي تستمر الأمور بشكل طبيعي..

قد يرى بعض من سيقرأ تلك السطور التحليل السابق على أنه يدخل في "تسبيب ما لا سبب له".. وإن كنت أرى أنه يصعب جداً فصل علاقة مطربي الميكروباص بالرقابة عن علاقة من يعيش حولهم هؤلاء المطربون بكل مظاهر الدولة.. جهاز الرقابة وعسكري المرور والمخبر والصول والموظف كلهم وجوه لـ"الباشا" الذي يصعب جداً عض يده ، ولكن يمكن جداً تقبيلها..
* الصورة من موقع حريف دوت نت..

Monday, January 12, 2009

كاسك يا وطنطن


1-كان الشاعر "بهاء جاهين" موفقاً إلى أبعد حد ممكن عندما سخر من الأغاني الوطنية في فيلم "سمع هس" بأغنية وطنية في اللذاذة يقول مطلعها : أنا وطني وبانشد وباطنطن.. واتباهى بحبك يا وطنطن.. وكان رد مغني الأغنية في الفيلم -مطرب الأوبرا "حسن كامي"- مقنعاً عندما سأله "حمص"- لعبه "ممدوح عبد العليم"- عن المقصود بـ"وطنطن".. "بأدلع الوطن"!

لا فرق بين تسعين بالمائة على الأقل من الأغاني الوطنية التي نعرفها - وليست الأغاني الوطنية الحقيقية - وبين أغنية فيلم "سمع هس".. لا في الشكل ولا في المنطق.. فالأغاني الوطنية التي نعرفها هي أكثر الأغاني كذباً وافتعالاً وتشنجاً واشتغالاً .. ذلك أنها لا تنطلق - عادةً - من حب أو إيمان بالوطن قدر ما هو انتفاع ورغبة في الانتفاع به.. فالمنتفع والمرتفع "ما يقولش إيه ادتنا مصر" لأنه قد أخذ واستفاد بالفعل ، ولا يقول "حندي إيه لمصر" لأنه ببساطة لن يعطيها أي شيء!

2-والأغنية الوطنية التي نعرفها تخرج كل عفاريت التفسير السياسي للفن من قماقمها ، وعلى حق وليس على سبيل الاستنتاج والتخرص ، فمن الصعب أن ننكر أن الأغاني الوطنية على مر تاريخ بلد عريق كمصر ارتبطت وبشكل وثيق بالنظم السياسية التي حكمت البلاد ربما منذ أيام الخديو إسماعيل وحتى اللحظة.. وبتغير الزمن والظروف والنظم تغيرت بدورها قواعد اللعبة ، من شعر المناسبات التقليدي الرصين إلى أغاني عبده حريقة ، ومن المجاملة المستترة إلى النفاق المستفز-خاصةً في الفترات التي كان فيها الفن ككل دعائياً وموجهاً- وكلمة السر في كل الحالات واحدة .. علامة اليساوي الكبيرة بين "الوطن" و "النظام السياسي" في كل عهد ومرحلة ، حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة السياسية في مصر وفي العالم العربي ككل..

أضف إلى ذلك كون السواد الأعظم من مؤلفي ومطربي تلك الأغاني من "جمعية المنتفعين بالوطن".. منهم من كان مقرباً للسلطة ومنهم من تمتع بامتيازات في عهدها ومنهم ومنهم..ولذلك فإن أعمالهم تتميز بالحرقة الشديدة .. تلك التي تناسب الحب القائم على أساس المصلحة .. الوصف الأدق لعلاقة بعض الناس في الموالاة والمعارضة وحتى في الشارع بالوطن.. تلك كانت القاعدة ولكل قاعدة شواذ .. فالعديد من كتبوا أغانٍ وطنية حقيقية لم ينتفعوا بالوطن بالقدر الكافي ولم يقيموا صداقات قوية مع كل نظام ولم يركبوا الموجة .. بما أن العاطفة لديهم لا ترتبط بمفهوم المصلحة..

2-هناك حقيقة يجب أن نضعها بعين الاعتبار عندما نتحدث عن الأغنية في مصر.. وهي أن أغلب الغناء المصري عاطفي موجه لحبيب أو لحبيبة ، وبالتالي كان لذلك تأثيره حتى على الأغنية الوطنية ، قد يرجع ذلك لكون صورة "مصر" في الوجدان الشعبي المصري هي المرأة "الخصبة" "الولود" -بحسب ما كتب "نائل الطوخي" منتقداً "أحمد فؤاد نجم" في تدوينته الهامة والمثيرة للجدل "في مذمة العدو الأكثر بلاغة"-وهو ما قد يتماشى مع السائد في الشعر الغنائي المصري : أن توجه القصيدة للحبيبة ، سواء على سبيل الغزل العفيف ، أو غير العفيف..

الحال بالنسبة لشلة "عبده حريقة" أسوأ وأكثر سطحية.. تخيل أن "معتز أبو العز" يكتب أغنية يتغنى فيها بجمال "الشاويش نفيسة" في "حكاية ميزو".. (و"معتز" لا يظهر تلك المشاعر لـ"الشاويش نفيسة" حباً فيها لا سمح الله).. "مصر" ليست "الشاويش نفيسة" بالطبع ، لكن كما أن "معتز" يريد الانتفاع بـ"الشاويش نفيسة" يريد هؤلاء الانتفاع بـ"مصر"- النظام هنا..

النتيجة هي فاصل من الافتعال الزاعق "بحبك يا مصر بحبك بحبك بحبك" ، "يا بلدي يا ولدي يا مش عارف إيه" ... والصور المباشرة فاقعة الركاكة "يبقى أنت أكيد أكيد في مصر" .. ويطفح ذلك كله على اللحن.. ومع "الحراك السياسي" تغير شكل الانتهازية الغنائية ليتماشى مع خط "الفكر الجديد" .. لتعود نغمة الوعظ والإرشاد مرة أخرى "لو بتحبوا البلد دي خلوا عيونكم عليها" .. والتي ظهرت في أغانٍ وطنية قديمة مثل "يا حبايب مصر" ..

وعندما تقتضي الضرورة الغناء لقضية عربية كالقضية الفلسطينية أو لمقاومة الاحتلال والعدوان في العراق ولبنان نرى هؤلاء في الموعد ، بنفس الهيستيريا والتشنج الذي يحول أعمالهم التي تفلت من الـ Recycle Bin إلى إفيهات ونكت..

3-للأغاني الوطنية عدة استخدامات في مصر ، تستخدمها مجموعة من المبدعين الرسميين لتوطيد صلاتهم بالنظام (وندم بعضهم على ذلك بعد بعض الإحباطات الكبرى كما كان حال "جاهين" بعد النكسة) ، ويستخدمها المبدع الوافد في محاولة توطيد علاقته بالسوق ، والنظام (لعبة يلعبها المطربون العرب في مصر والمصريون في باقي بلدان العالم العربي وتنتشر هذه الأيام أكثر في بلدان البترودولار) ، وللإذاعة قبل (وبعد) مباريات كرة القدم والفوز بأي جائزة تأتي من بلاد الفرنجة، وكمواد خصبة للسخرية .. وهو أنجع استخدام لأغاني تغنى على الوطن .. وليست له..
* الصورة من "في الفن"

Thursday, September 18, 2008

المنشد والثورجي.. بالأمر المباشر..


اسمحوا لي أن أبتعد لمدة تدوينة واحدة عن أجواء المسلسلات التي تفرض نفسها بشدة هذه الأيام ..

نشرت جريدة "القاهرة" الناطقة باسم وزارة الثقافة المصرية تقريراً عن التجربة الاستثنائية والمدهشة في تاريخ الغناء العربي التي جمعت بين "بليغ حمدي" و "سيد النقشبندي"..وبأمر من الرئيس المصري الراحل "أنور السادات"..

"بليغ" هو الموسيقار "الثورجي" بحق في عالم الموسيقى العربية.. تميز على من عاصروه وصعدوا معه من أمثال "محمد الموجي" ثم "سيد مكاوي" بقدرته على تقديم موسيقى غير تقليدية وغير متوقعة.. يخلط فيها بين الموشحات الأندلسية أحياناً والتراث المصري أحياناً وبين الموسيقى السائدة في زمنه بطريقته الخاصة.. السهل الممتنع ..

"النقشبندي" في رأيي هو أقوى صوت تعامل معه "بليغ" ، وواحد من أقوى الأصوات المصرية على الإطلاق.. وهو بالنسبة لأي ملحن كـ"ليونيل ميسي" بالنسبة لأي مدرب.. يؤدي في أعلى طبقاته بنفس القوة ونفس الإجادة التي يؤدي فيها في أقلها.. عكس أصوات "عريضة" كثيرة حالياً مثل "حسين الجسمي" على سبيل المثال..

وفي وجود صوت قوي وقادر كـ"سيد النقشبندي" قرر "بليغ حمدي" تقديم الأغنية الدينية على طريقته الخاصة .. نَسَفَ الشكل التقليدي للأغنية الدينية ومقاماتها وإيقاعاتها التقليدية ..وأحل بدلاً منها جملاً قصيرة في معظمها قوية في مفعولها.. وأدخل آلات جديدة منها الأورج والجيتار الكهربائي "أقول أمتي- مولاي" .. تنويع في ارتفاع وانخفاض الطبقات لم نعهده - جيلنا على الأقل - في الأغنية الدينية بوجه عام..

"مولاي" أشهر ما قدم الثنائي ومعهما الشاعر الغنائي "عبد الفتاح مصطفى" الذي تخصص في كتابة الشعر الديني بشكل عام .. ولكن لهما أيضاً من الأدعية "ربنا" و"أقول أمتي" *.. ولا أعرف إن كانت تلك الأعمال لا تزال تذاع على موجات الإذاعات المصرية أم لا خاصةً في هذه الأيام..

الأمر المباشر لا يقدم عادةً أشياءً ذات نفع.. لكن لكل قاعدة استثناءات .. كما كان "بليغ" و"النقشبندي" استثنائين في مجالهما منفردين .. ومعاً أيضاً..
* وهناك دعاء آخر اسمه "أبصرت" أو "بصرت" .. لا أعرف إن كان "بليغ" هو الذي لحنه أم لا.. لكن أذني تؤكد أنه "بليغ حمدي" ماركة مسجلة..الصورة من islamophile.org