في رأيي على الأقل ، لم يكن الألبوم الجديد لـ"محمد منير" "سوبر" للدرجة ، ولم يكن أيضاً محبطاً بالقدر الذي يتخيله البعض ، رغم أن الأغاني التي تم تسريبها ، كما سيتقدم ، لعبت دوراً كبيراً في هذا الشعور..
لنعترف أنه مع "منير" -وهذا يحسب له - تضمن الخروج ولو بشكل مؤقت من دائرة المباشرة السمجة التي تعرفها في كلمات عدد من الشعراء الغنائيين الحاليين وهم يتكلمون عن الحب الضائع والسب للحبيب السابق قليل الأصل عديم التربية والتعليم ، وتسمع كلمات "مختلفة" و "غير مألوفة" و ربما "صادمة".. وستتأكد أن صناع موسيقى الألبوم يحاولون فعل شيء يليق بنجومية "منير" و "دماغ" "منير" ، نجح الملحنون والموزعون في ذلك أم لا.. كما سيتقدم..
1-خمس عشرة أغنية ، رقم كبير بالتأكيد ، لكن أول تجربة سماع لمعظم أغاني الألبوم توحي بما لا يدع مجالاً للشك أن الرجل يريد أن يفعل كل شيء ، أسماء جديدة تلاقي ، أسماء قديمة تلاقي ، مود ثوري تلاقي ، مود سياسي تلاقي ، إعادة توزيع لأغاني الغير القديمة تلاقي ، إعادة توزيع لأغاني "منير" نفسه القديمة تلاقي ، والمنطق يقول أنه طالما حاولت أن تفعل كل شيء ، لن توفق في فعل كل شيء ، وهذا ما كان..
2-من يعرف "منير" يضع خطاً تحت الأغنية التي يضعها أولاً في الألبوم ، بوصفها - في رأي البعض - "فاتح للشهية" (حتى ولو كنا في زمن التحميل الذي لا يعترف كثيراً بترتيب الأغاني في الألبوم) ، لنتذكر : "يونس" في "طعم البيوت" ، "الليلة دية" في "من أول لمسة" ، "تعالالي وكفاية هروب" في "الطول واللون والحرية" ، هنا قرر أن يبدأ بأغنية سريعة عنيفة الإيقاع ، الأمر الذي اعتبره البعض من وجهة نظر لها وجاهتها أنه ظهر فيه "منير" وكأنه يغني أغنية لـ"عمرو دياب" ، وإن كنت أختلف مع ذلك الرأي ، كان من المطلوب بالنسبة لمود كثير من المستمعين أن يبدأ بشيء سريع ، عنيف ، بسيط ، كما في "عيون" .. كلمات "سيد حجاب" كانت بسيطة ، مختصرة ، تذكرنا بأغنية "هيه هيه" التي كتبها "مجدي نجيب" قبل ما يقرب من العقدين ولحنها "وجيه عزيز" ، وفي نفس اتجاه البساطة سار لحن "عمار الشريعي" الذي لم يكن يحتمل كثيراً من الفخامة التي اعتدناها من هذا الأخير عندما يوزع ألحانه بنفسه ، ولا تقبل الناحية التطريبية العالية التي نراها في روائعه الدرامية (تذكروا التتر البديع الذي كتبه "حجاب" وغناه "حسن فؤاد" في مسلسل "أرابيسك" 1994)، ولـ"عمار" ألحان تبدو بسيطة يجربها من حين لآخر عندما يحن للعمل خارج نطاق الدراما ، كما فعلها ذات مرة مع "لطيفة" في أغنية "إديني فرصة تانية" قبل عشرين عاماً مع الشاعر الكبير الراحل "عبد الوهاب محمد".. "منير" ليس "الحجار" في جبروته ، لكنه يجيد في الألحان البسيطة أكثر ويضفي عليها عمقاً أكبر حين تسمعها.. من أكثر الأغاني التي "دخلت دماغي" في الألبوم ليس فقط لأنني من معجبي الأسماء الأربعة الذين شاركوا فيها..
3- وكما رأينا "طارق مدكور" مختلفاً في "عيون" ، رأينا "طارق عاكف" مختلفاً في "يا رمان" ، يشعر بذلك من يسمع الأغاني التي يوزعها "طارق عاكف" منذ حقبة "راغب علامة" و "نوال الزغبي" في التسعينيات ، حاول "عادل حسن سلامة" شاعر الأغنية توظيف تيمة أغنية شعبية قديمة بشكل جديد ، نفس فكرة "الحبيب الوحش" ولكن ليس بالشكل الزاعق الذي نعتاده في معظم الأغاني الحالية ، بعض الآذان قبلت اجتهادات "سلامة" والبعض الآخر لم ، نقطة الضعف الوحيدة هي الظهور الشرفي لـ "شاندو" الذي بدا صوته "مختنقاً" وهو يغني الجزء الأخير المخصص له في الأغنية.. الفلكلور كان حاضراً في أغنيتين أخرتين ، "ألايا" أكثر من "أبو الطاقية شبيكة".. علاقتي بالأغاني النوبية لـ"منير" ممتازة حتى مع وجود حاجز اللغة..
4- أفضل أغنية "مخصصة" للألبوم من حيث الكلمات "قلبي ما يشبهنيش"..لم يسرف الشاعر الكبير "عبد الرحمن الأبنودي" في استعمال صوره ومحسناته ، وهو يلخص حالة تضارب بين العقل والعاطفة عبر عنها بشكل درامي ، وصل "الأبنودي" إلى الهدف وانتظر لحن "محمد رحيم" وتوزيع المجتهد "أحمد شعتوت" أن يصلا إليه ويلحقان به ، وإلى الآن لا يزالا تائهين.. نعومة "رحيم" الزائدة لم تناسب الكلمات بالمرة.. وهو ما يمكن قوله على "يا حمام" -تشابه أسماء أغاني الألبوم مشكلة بالمناسبة- وهو ما انتقد فيه كاتب السطور "رحيم" في وقت سابق بسبب لحن ختام مسلسل "مملكة الجبل" الذي لا تناسب نعومته كلمات "الأبنودي" في هذه الأغنية وفي ذلك اللحن المشار إليه.. رحم الله "حسن أبو السعود" والذي يعد "وليد سعد" امتداداً نظرياً له ، هذه الأغنية كانت تحتاج لحن "وليد سعد"..
وبالتأكيد يصعب الحديث عن الألبوم دون التطرق لـ"كوثر مصطفى" التي قدمت الأغنية التي اختارها "منير" هذه المرة ليوزعها مرتين (وله سابقة في هذا الصدد مع أغنية "صياد" في "امبارح كان عمري عشرين") ، تكتب "كوثر" أغانٍ تناسب "منير" أكثر من غيره ، ولا تشعر أنها كتبت أغنية يمكن أن تقول عنها "دي تليق على علان أكتر".. مباراة التوزيع حسمت لصالح "فتحي سلامة" الذي يجيد التعامل مع "منير" ووزع له عدداً من أفضل أغانيه في المرحلة التسعينية ، عن نفسي أعجبني الإيقاع الذي "يجيب على مغاربي" ، "زياد الطويل" كما توقعته.. حاضراً ومتألقاً في ظهوره الوحيد في الألبوم..
5- "نبيل خلف" علامة استفهام كبيرة ، استعمال الصور سلاح ذو حدين إن لم يكن ثلاثة ، حتى مع "محمد منير" ، في "جرحي القديم" المعروفة اختصاراً بـ "يا أهل العرب والطرب" ، يسرف في استخدام تلك الصور لتجعلك أمام حالة يتركك فيها أحياناً "أيمن بهجت قمر" ..حالة "مين كسر إيه دة".. لا تفهم ماذا يريد ، ولا الصورة التي يريد توصيلها لك ، شيء سمعت الروائي الكبير الراحل "خيري شلبي" ينتقده في أحد أواخر تسجيلاته التليفزيونية ، فكرة التنقل من صورة لصورة وليس داخل الصورة.. باقي أعضاء مثلث "وائل جسار" ممثلين في "وليد سعد" و "عادل عايش" "عملوا اللي عليهم".. في حدود ما تركه "نبيل خلف" معقولاً!
أما في "افتحوا يا حمام" فلن تعرف "مين كسر إيه دة".. استوحى "نبيل" "صلاح جاهين" وهو يكتب قصيدته التاريخية في أعقاب مجزرة بحر البقر ، لـ"يدفس" فيها صوره بشكل هجومي يذكرك بـ"في حضرة المحبوب" ، الألبوم الذي نجح اعتماداً على الحالة فقط ، تخرج منها بـ "والعالم عاقل مش مجنون ..ولا يمكن طلقه هترسم كون..ولا تقدر تخلق خط و لون..ولا تمنع شمس تضم غصون" ، طبعاً لا تسألني عما قبلها ولا ما بعدها.. "أشرف محروس" موزع الأغنية لم يكن سيئاً بالمرة.. بالنسبة للأغنية الثالثة لـ"خلف" "البعد نار" فلا تملك إلا أن تقول لـ"خلف" و"وليد سعد" و-بالمرة- "توما""الله يسهل لكم"..حتى أنت يا "توما"؟
بالمناسبة ، حتى ولو قلت على استحياء لـ"توما" "الله يسهل لك" فستقولها بعلو الصوت عندما تسمع "بلادي يا عرب".. أسوأ أغاني الألبوم على الإطلاق..
6-"قلش" "منير" في الأغنيتين القديمتين الذي اختار إعادة توزيعهما له "في عينيكي غربة" وللغير "حارة السقايين".. توزيع "في عينيكي غربة" علامة استفهام كبيرة ، هذه الأغنية وزعها منير مرتين بعد توزيعها الأصلي في الثمانينيات وهو الأجمل والذي صنع ذكريات جيلي معها ، وحتى في التوزيع التسعيني كانت مقبولة جداً عندما نجحت تجربة توزيعها بخلطة إيقاعية سائدة في التسعينيات كانت لعبة موزعها وقتئذ ونجح بها مع "فؤاد" و"منى عبد الغني" و "علاء عبد الخالق".. أما التوزيع الحالي : "تانجو"؟
الأغنية الوحيدة التي أجاد "منير" غناءها للغير وأعاد توزيعها هي "أنا بأعشق البحر" ، التي لحنها "هاني شنودة" وهو ملحن يعرفه "منير" وبنى معه مشواره الفني في مرحلته الأولى.. ولم يشعر "منير" بغربة في أدائها فخرجت جميلة ومقنعة.. فيما عدا ذلك فقد أخفق في كل ما تلاها من تجارب.. أفضل من كان يمكنه أن يعيد غناء "حارة السقايين" هو "نانسي عجرم".. التي توافق شخصيتها في الأداء طريقة تلحين "منير مراد" في هذه المرحلة من حياته.. وكذلك خفة ظل كلمات "حسين السيد" ، وهو شاعر لا يمل سماعاً وكتابةً كواحد من أفضل شعراء الأغنية في القرن الماضي..
7-اللعبة الكبيرة التي لعبها "منير" في هذا الألبوم دمجه لأغنيتين في أغنية ، "أمجاد يا عرب أمجاد" لـ"عبد الفتاح مصطفى" و "أحمد صدقي" و "ييجي زمان" لـ"عبد الرحيم منصور" و "عبد العظيم عويضة" (والأخيرة كانت تتر مسلسل "مارد الجبل" الشهير في الثمانينيات مع بعض التغييرات) .. لمن لا يعرفها ، ولمن لم يقرأ العلاف ، يشعر بأن الأغنيتين أغنية واحدة ، أو هكذا أراد "منير" أن يوصل لنا ما يراه من تكامل بين الفكرتين ، وصل للبعض ، ولم يصل للبعض الآخر..
أجاد "منير" غناءاً في الألبوم ككل ، لكن الجمهور سيسأله بالتأكيد عن اختياراته ، هو ليس مجرد مغن عادي النجومية يتعامل مع الملحنين والموزعين والشعراء كضيوف ، هو نجم له بصماته على الألبوم ككل ، شأنه في ذلك شأن أسماء كبيرة وناجحة كـ"عمرو دياب" مثلاً.. المحصلة النهائية في رأيي ألبوم جيد ، موسيقى في مجملها جميلة وإن أتت بعض الأغاني أقل من المتوقع ، والشيء نفسه يمكن قوله على الكلمات ، تسريب الأغنيات الذي سبق الألبوم على مدى ما يقرب من عام أو يزيد أضره خصوصاً أن معظم ما تم تسريبه كان أضعف من "منير" ، ولن تخرج أعنف الانتقادات الموجهة للألبوم عن تلك الأغاني كثيراً ، باختصار شديد ، يمكن اعتبار "أهل العرب والطرب" جديد "منير" ألبوماً ألبوم لا هو بالنقلة النوعية بالنسبة لـ"منير" لأن الظرف الراهن خاصةً في السوق الموسيقي الذي تشوبه حالة من الغموض لا يسمح لأحد بعمل أي نقلة من أي نوع ، ولا هو بالإحباط الكبير الذي يستأهل عليه الهجوم.. ننتظر الأفضل حتى من الأفضل..
* الصورة من مدونة "يا جامد"..