Saturday, December 01, 2007

من سيربح القطيع؟


دائماً ما نعيب على الأمريكان أنهم قطيع تسيرهم أجهزة إعلامهم كيف شاءوا ، وهو أمر صحيح في ذاته ، واسألوا فيه صديقي ابن عبد العزيز ومن عاش في الولايات المتحدة وتابع إعلامها .. نشرات الإيه بي سي التي هي في الغالب محلية ، وتهتم بـ"آنا نيكول سميث" و "باريس هيلتون" أكثر بكثير من أمور أهم حتى في الداخل الأمريكي .. ولا ننسى نشرة "المقرر" الخارجية التي تذيعها سي إن إن .. احفظ من أخبار العالم ما يملى عليك!

لكن أليس هذا ما يحدث في عالمنا العربي ، وفي مصر بالتحديد؟

ما يحدث عندنا لا يشبه ما يحدث في بلاد عمو سام فقط بل هو ألعن منه..

بدأت الأمور عندنا في السنوات التي احتكرت فيها الدولة كل كل شيء (وهناك طبعاً من يتمنى لتلك الأيام أن تعود) بما فيها الميديا .. تذكروا أن اسم "وزارة الإعلام" في مصر كان في فترة من الفترات "الإرشاد القومي".. وعليه فكانت الصحف والإذاعة والتليفزيون تلقننا المعلومة والرأي وتسيرنا وراءها مثل القطيع.. والهدف هو "مصلحة البلد" - سواء أكانت مصلحة النظام، أو مصلحة الحزبوطني ، أو مصلحة البلد بحق وحقيق- وبقي الموضوع كما هو عليه لسنوات طويلة ، حتى في أيام "صفوت الشريف" وإكليشيهات "الزمن الجميل" من عينة "إعلام الريادة" و"السماوات المفتوحة"..

كانت الدولة في تلك الفترات هي "الأستاذ" الذي "يعرف أكثر" .. كانت لكل كلمة تنشر في "الأخبار" و"الأهرام" و"الجمهورية" وتذاع على تليفزيون الدولة الرسمي وإذاعتها مرجعية بحكم قوة الدولة وأجهزتها التنفيذية.. وعليه فكنا نسير وراء تلك الأجهزة مغمضي العينين..

ثم تغيرت مصر .. وتغيرت طبعاً قواعد اللعبة..

ظهر المال السياسي والديني ، المحلي منه والخارجي ، المعلوم منه والمبني للمجهول ، وكان من الطبيعي أن تصطدم مصالح كبار رجال الأعمال بمصالح البيروقراط المشتغلين في السياسة في الحزبوطني ومعها مصالح رجال الأعمال الذين رأوا أن مصالحهم مع الحزبوطني ، سواء بسبب الطموحات الاقتصادية أو السياسية لرجال الأعمال.. ومن هنا قرر أصحاب الملايين اللعب في الإعلام .. مولوا صحفاً من الظاهر ومن الباطن ، وأنشأوا برؤوس أموالهم فضائيات ومولوها أيضاً من الظاهر والباطن..وصرفوا عليها كما ينبغي أن يكون..وصنعوا نجوماً نافست نجوميتهم حتى بعض الممثلين والمطربين ولاعبي الكرة..

لا أحد ينكر أن ما بناه المال السياسي من فضائيات وصحف غير شكل الإعلام في مصر ، لكنه سار في نفس الاتجاه الذي سارت فيه ميديا الحزبوطني بل وألعن .. فالميديا الجديدة لعبت على نغمة العداء السائد بين الناس والنظام ، أي نظام ، واعتمدت لعبة الإثارة والتهييج بمانشيتاتها الحراقة بطريقة تستنفز طبيعتنا العاطفية جداً .. تهدف إلى إحداث حالة من "السخط العام" في أوساط الشارع على النظام وتضغط عليه ، فيصبح النظام مجبراً على تقديم تنازلات من أي نوع لصالح أصحاب المال..

عاطفيتنا و"زنّهم" أوصلتنا لدرجة من تحويل صنائع المال السياسي في عالم الميديا إلى تابوهات لا يجوز عرض تصرفاتها على العقل ، من باب أن "عدو عدوي" هو صديقي .. وأننا "اصحاب صحابنا" و"اللي يرش صاحبي بالميَّة أرشه بالدي دي تي"..كثيراً ما لمحت ذلك في نقاشات حادة لي مع أناس يقفزون بهؤلاء إلى درجة شبه التقديس..وربما في ظل طوفان جماهيريتهم العاطفية الكاسحة يتحول كل من ينتقد هؤلاء إلى خائن وعميل وحزبوطني من "ديش العدو"!

الحال هنا ألعن من أمريكا .. في أمريكا على الأقل رأس المال هو صانع الإعلام والسياسة ، قيادة واحدة وموحدة للقطيع في عموم بلاد الأمريكان ، أما في بلادنا فالأمر هو "شد حبل" ، استقطاب واستقطاب مضاد ، الحزبوطني وأحمد عز وأبو العينين وغيرهم ورجالتهم ، في مواجهة بهجت وساويرس وآل أديب ورجالتهم .. وكل واحد منهم يريد من الجموع السير في مظاهرة تأييد له .. وليذهب في ستين ألف داهية كل ما كنا نتلقنه في "قعدات" "الموساككافييين" من عبارات عن الإعلام ودوره في صناعة "الرأي العام" ..

أتفق مع زميلنا محمد عادل في ما وصفه هو بـ"التفسير المعتاد" لكون حكم-وأضيف : تسيير -قطيع من الحمقى في مظاهرات أسهل بكثير من فعل ذلك مع المثقفين الأذكياء.. ولو كان الهدف من أي من الإعلامين في بلادنا هو تثقيف الفرد وتوسيع مداركه والإسهام في جعله يحكم على الأمور بشكل حصيف في أي اتجاه ، وليس تحويله إلى عصاية أمن مركزي أو "دبشة" في مظاهرة لاختلف الأمر ألف مرة عما نحن عليه.. ولما انقسمنا لقطيع هنا .. وقطيع هناك .. ومتفرجون على برنامج "من سيربح القطيع"!

ذو صلة: في نفس الاتجاه أبدع محمد عادل..
*الصورة من موقع أجنبي..

No comments: