Saturday, June 06, 2009

برج الفلس


صحيح أن نفساً لن تموت حتى تستوفي أجلها ورزقها ، وأنه "محدش بياخد رزق حد" .. لكن هل يبرر ذلك فتح ثلاث صيدليات مثلاً في شارع يقل طوله عن الخمسين متراً؟

من الوارد أنه إذا نجحت فكرة أو أغنية أو طريقة في كتابة الأفلام أو المسلسلات أن تجد ألف شخص يطبقونها ، ومن هؤلاء الألف شخص تسعمائة على الأقل ينقلونها نقل مسطرة بلا أدنى شكل من أشكال الإبداع.. والشيء نفسه ينطبق على برامج الفضائيات هذه الأيام.. عمليات استنساخ واسعة النطاق لأي فكرة ، والجديد أنه لا يشترط استنساخ فكرة ناجحة ، حتى الفشل يمكن استنساخه!

يجب أن نفرق أولاً بين نوعية البرامج العادية التي تظهر وتختفي ومن الممكن أن يغير فيها المعدون حيثما شاءوا ، وبين "مستقرات الصناعة" و "قواعد اللعبة" أي ما استقر عليه عرف الممارسة في وسائل الإعلام .. مثال على النوعية الأولى برامج المسابقات التي يمكن للقنوات أن تدرجها أو لا تدرجها على جدول بثها ، وإن أدرجتها فهناك مساحات شاسعة للتغيير والتنوع فيما بينها لأن التقليد الأعمى في هذه النوعية من البرامج غير مستساغ على الإطلاق ، بينما تمثل نشرات الأخبار مثالاً صارخاً على النوعية الثانية ، فمن المستقر عليه أن تبدأ النشرة بالأخبار السياسية مروراً على الاقتصاد فالأخبار الرياضية فالأخبار الخفيفة فحالة الطقس ، وعليه فإن أي قناة عندما تقرر وضع نشرة أخبار فإنها تسير حسب السوق والعرف وبالتالي حسب نفس الترتيب .. وإن كان هذا طبعاً لا يمنع من بعض التجديد والتغيير في الشكل في حدود "العرف" بما يكفل تميز القناة عن غيرها..

كل ما سبق بمناسبة "شوطة" برامج الصحافة التي حطت على الفضائيات المصرية هذه الأيام.. ولأننا رغم تباهينا بأن صحفيينا وإعلاميينا "يخدمون" على الفضائيات العربية نعيش حالة من الطفولة لا تجعلنا نفرق بين النوعية الأولى سالفة الذكر وبين النوعية الثانية .. أي أننا نتعامل مع برامج يمكن تحويرها وتطويرها وتحتمل المزيد من الابتكار على أنها من مستقرات السوق التي لا تحتمل مزيداً من التباديل والتوافيق و"اللِعب"..

ويمكنك أن تلعب لعبة "اكتشف الاختلافات" بين برنامجي "الطبعة الأولى" و "الصفحة الأخيرة" على فضائيتي "دريم" و"المحور" على الترتيب ، لتشاهد وبأم عينك المعايير الجديدة التي وضعها الفضائيون المصريون لهذه النوعية من البرامج ..

يبدأ كل منهما بـ"كر" أهم محتويات الصحف المصرية الصادرة صبيحة اليوم ، أو حتى صبيحة اليوم التالي - مبقتش تفرق سينا من سونيا- ثم يبدأ في التعليق عليها على طريقة الاستاند أب كوميدي .. وطبعاً من ضمن الثوابت في هذه النوعية أن يكون المذيع رغاياً كالشخصية التي لعبها الراحل "أحمد الحداد" في "ساعة لقلبك" .. ولا تنسى الظرافة ، واللطافة ، والترررم ، ثم يبدأ كل منهما قبل النهاية في استعراض الأقوال المأثورة ، ثم الصور الصحفية ..

ولكي يوهمنا أصحاب "الصفحة الأخيرة" بشعار "نحن نختلف عن الآخرين" "استحدث" -هه!-البرنامج أمرين ، الأول هو سؤال رجل الشارع العادي في ريبورتاجات تذكرنا ببرنامج "أكيد في مصر" على "أو تي في" ولكن طبعاً بشكل مقحم ، حيث يسأل مراسلوه الناس في أمور قد تكون تقنية صرفة لمجرد الحصول على "نبض الشارع" من الباب للطاق ، ولكي يثبت "ساخب المخيل" قربه من الناس العاديين "كسباً" لتعاطفهم ، والثاني هو استعراض ما تنشره صحافة الغد بشكل يعيد إلى الأذهان برنامج "غداً تقول الصحافة" الذي كان يذاع على القناة الثالثة .. ربنا يحسن ختامها وختامنا..

العجلة من الندامة ، عما قريب سنرى برنامجاً يجمع بين البرنامجين السابقين على فضائية ثالثة ، فتغار الرابعة منها لتستنسخ منه نسختها الخاصة ، وهكذا.. والحجة جاهزة : كل الأفكار تم تنفيذها .. حنعمل إيه يعني؟.. مبرر يراه أصحابه منطقياً لنقل ديكور الصيدلية بالتمام والكمال على طريقة الكوبي والبيست لباقي الصيدليات التي لا يفصل بينها سوى بضعة أمتار.. رغم أن هذه البرامج في رأيي تحتمل الكثير والكثير من التغيير ، لكن ماذا تقول في من اختاروا السكنى في برج الفلس بمحض إرادتهم ، علماً بأنه قد ينهار في أي لحظة على ساكنيه .. ليتهم يتعظون..
* الصورة من مصراوي لمذيع "الصفحة الأخيرة"..

No comments: