Saturday, January 21, 2012

بين "منير" و "نمرة" .. بين "اللضم" و"الرص"!

أكتب هذه السطور ،وأنا مستعد تماماً لأي انتقادات قد تصل لدرجة الشتائم بما أن هذه التدوينة "قد" لا تعجب أنصار "حمزة نمرة" ، وعلى العموم المسألة حرية شخصية ، كما هي حرية أن تقرأ تلك السطور ، أو المدونة ، من عدمه..

عندما استمعت لأغنية "بلدي" لـ"حمزة نمرة" في ميكروباص قبل أيام ، وجدت نفسي أقارنها بواحدة من روائع "محمد منير" "عقد الفل والياسمين" قبل تسع وعشرين سنة ، مقارنة لن تصب في صالح "حمزة نمرة" بالمرة ، بل يمكن قول نفس الشيء إذا ما قارننا "بلدي" بتجارب مشابهة مثل "أحسن ناس" لـ"داليدا" ("صلاح جاهين"/"سمير حبيب") ، أو حتى "بلديات" لـ"علاء عبد الخالق" ("جمال بخيت" ولا أذكر الملحن)..

وبالله عليكم ، لا أريد أن أسمع "جاي تقارنلي "منير" بـ"نمرة"".. فـ"منير" غنى تلك الأغنية في بدايات مشواره الفني وكان أصغر بعامين أو أكثر (=في التاسعة والعشرين تقريباً) من "نمرة" حين غنى أغنيته (=في الحادية والثلاثين من العمر)!

وفي تلك السن وفي تلك المرحلة من حياته كان "منير" ضمن ثورة غنائية حقيقية ، كان من قادتها كتابةً "عبد الرحيم منصور" ولحنا "أحمد منيب" و"هاني شنودة" ودخل على الخط "يحيى خليل" ثم بعد ذلك "حميد الشاعري" الذي تعامل في بداية حياته مع "منير" ، وأسماء أخرى كثيرة، وكان للكل ، مع ما بينهم من تباين ، دور في تغيير كان ضرورياً في شكل الأغنية المصرية ، جعلها أخف ، وأبسط ، وأكثر تركيزاً ، وتنوعاً في مواضيعها ،وأسهل حتى في تنفيذها الموسيقي ، قارنوا شكل فرقة "منير" التي كانت تعزف وراءه في بداياته وحتى الآن (حتى بتغير الأشخاص) بالشكل الكلاسيكي المعتاد في أغاني "أم كلثوم" و "عبد الحليم" و "نجاة" و "وردة" وما يسميه الناقد "أشرف عبد المنعم" بـ"الأغنية الرسمية"..

في المقابل جاء "نمرة" ممثلاً صادقاً وأميناً لموجة موجة موسيقية اقترنت بطبقة وفكر وثقافة معينة لا تخلُ من أعراض "عقدة الرجل الأبيض" ، تصبح فيها أمور كالثقافة والرقي مقترنةً بالنمط الثقافي الغربي ، أياً كانت نوعية الغرب ، سواء الغرب الأمريكي (بما أننا نعيش أزهى عصور الأمركة الثقافية) أو الغرب الأوروبي كمناقض وبديل للنمط الثقافي الأمريكي..ولا يخل الأمر من تأثيرات مستوردة من أماكن أخرى كأمريكا اللاتينية بالنسبة للمنتمين فكرياً (أو هكذا يقولون) لليسار (بحكم الفورة التي يشهدها اليسار في أمريكا اللاتينية).. والغريب أن تلك الموجة في مجملها وفي معظمها تمسكت بالشكل الغربي كتابةً ولحناً وأداءً في الوقت الذي كان فيه الوسط الموسيقي "شبعان غرب" بجمل مستوردة من أسبانيا وتركيا وربما إيران ، وأساليب تنفيذ أيضاً غربية في معظمها جملة وتفصيلاً (حتى حلت الإيقاعات الغربية محل "المقسوم" في معظم الأغاني التجارية الحالية) ، والمضحك فعلاً أنه (="نمرة") -مثل كثيرين غيره- وهو يحاول البحث عن أداء شرقي يصل به لآذان المستمع المصري العادي الغير منتمي لكوكب "وسط البلد" وقع أيضاً في فخ الأداء الغربي الصرف ، الذي حاول (1)"بليغ حمدي" انتشال "عفاف راضي" في بداياتها منه.. باعترافها!

استمعت للأغنيتين ، لم ألق بالاً لفرق الاسم الكبير في الوقت الحالي بين "منير"و "نمرة" ، مع علمي التام بأن "منير" وقتئذ كان في بداية طريقه الفني كما سلف الذكر ، لكن الفرق الضخم ليس في "الدماغ" والثقافة بل حتى في الروح كان يطاردني وأنا أقارن بين الأغنيتين ، "منير" المصري جداً وهو يشعر بما يغنيه ، ويؤديه بصدق شديد ، وإدراك وفهم ، ويعيش حالة الأغنية التي لم تخل - للمصادفة - من تجربة شخصية عاشها "منير" - ربما- بشكل جزئي أو كلي ، فالأغنية التي كتبها "فؤاد حداد" ولحنها العملاق "أحمد منيب" تتناول - كما ظهر لاحقاً- ما يشبه رحلة القطار ما بين "أسوان" و "الإسكندرية" والتي يمر فيها القطار على عدد لا حصر له من المدن والقرى والكفور والنجوع ، هي كل مصر تقريباً ، طبعاً لم أطلب من "نمرة" أو غيره ركوب قطار "اسكندرية-أسوان" وبالعكس لكي يعيش التجربة ، لكن الفنان الموهوب الذي يؤثر في عقل ووجدان جمهوره يشعر بروح ونبض الناس ، حتى ولو لم يشاركهم نفس تجاربهم ، فيجيد في نقلها بصدق بشكل فني جميل يعيش في ذاكرة وقلب المتلقي.. هكذا استمر "منير" ونجح "الحجار" ومن الممكن أن ينجح الآن غيرهما..

إنما تفرج صاحبَنا الأجنبي "نمرة" ، هو يغني كسائح أجنبي ، أداءاً ، مخارجاً ، حركةً ، بدرجة تجعلك توشك أن تستمع للكنة الخواجة "بيجو" -لمن يتذكره- أو تستلهم "حسين الجسمي" وهو يغني تتر "أهل كايرو" بروح مطرب خليجي يقدم فقرة في حفل في مصر ، حتى "داليدا" التي لم تعش كثيراً في مصر استطاعت ببساطة الأداء وخفة الظل (وكلمات "جاهين" طبعاً) أن تكسب أذن المستمع المصري في "أحسن ناس" ، صحيح التنفيذ كان غربياً بما أن تلك كانت الموضة في بداية عصر "الديسكو" في مصر ، لكن "حبيب"كان أوعى وهو يوزع وينفذ فلم يسقط في الفخ بسهولة!

فرق اللغة مرعب في الأغنيتين ، "حداد" الذي كتب الأغنية (قبل رحيله بعامين) استوعب فكرة شريط القطار ، الذي يشبه خيطاً ، تلضم عليه حبات الياسمين ، المختلفة في حجمها ، لونها ، رائحتها ربما ، لكن تبقى كلها حبات ياسمين ، حتى الملاحظ للأغنية يرى أن الأماكن فيها غير مرتبة جغرافياً..

قنا سوهاج الاسماعيلية
بنت الصعايدة بحرية
الاقصر غزالة محنية
في اسكندرية ترسينا

لكن تلك الأماكن "ملضومة" في بعضها البعض ، بشكل بديع ، ومبهر ، تصعب مقارنته بنظرية "الرص" المتبعة في أغنية "حمزة نمرة"..

أيــام وبتجري بينا
ولا يـوم أبــدآ نسينا
دم الأبطــال فــى سيينا
أرض الفــيروز يابــلدى

امتداد لنظرية الرص ، التي نعرفها عن ظهر قلب ، الفرق أننا كنا قبل "حمزة" كنا نسمعها في الأغاني العاطفية التقليدية حتى الملل "حنين.. سنين..فرح..جرح.. حبيبي .. نصيبي .. عيونك.. شفايفك..الخ" أما الرجل فقرر استخدامها استخداماً جديداً يبرز أسنانك من بين شفتيك وأنت تضحك أحلى ضحكة صفراء نهههههههههه!

حتى الفرق المرعب امتد إلى التنفيذ ، "بساطة" التوزيع في "عقد الفل والياسمين" سر نجاحها موسيقياً ، حتى عندما أعيد توزيع تلك الأغنية في ألبوم مشوار (1991) لم تحقق نفس النجاح (2).. صحيح أن سرعة الإيقاع متقاربة ، رغم عدم تخصصي في الموسيقى أستطيع أن أقول أن سلم الأغنيتين واحد أو قريب من بعضه البعض ، لكن في أغنية "منير" كان التنفيذ بسيطاً خالياً من التعقيد ، فاصل موسيقي عبارة عن جملة إلكتريك جيتار مكررة مرتين يشعرك بالفرق فيها "الخط الخلفي" خط "البيز" .. والتوزيع كله ثلاث أو أربع آلات فقط.. البساطة هي كلمة السر في التعامل "الجيد" من الموزع الموسيقي مع أي لحن يلحنه "أحمد منيب"..

"بساطة" "منير" المستمدة من بساطة الشخص والروح والجيل صاحب الأحلام العريضة على بساطتها والرغبة العارمة في الثورة والتي نقلها بأدائه وأسلوبه إلى التوزيع الموسيقي المصري رغم مشاركة يد وعقل ألمانيتين فيه (="رومان بونكا") ، تقابلها "بهرجة" توزيعية تنفيذية من جانب "نمرة" نفسه- الموزع برضه- الذي أخفق - وهذا رأيي الشخصي- في استغلال تيمة مصرية صرفة في تقديم أداء وشكل موسيقي يمت لمصر بأدنى صلة ، فرح بلدي في الفواصل بنظرية الهجوم الجماعي التي تعيد للذهن خطة 4/2/4 الشهيرة في عالم كرة القدم ، "آل يعني" دمج للآلات التي تعكس الروح المصرية في بعضها البعض على طريقة مربع "الماء - النار - الهواء - التراب".. بل ما يدهش هو الاستخدام الغريب لتيمة "يا عزيز عيني" الحزينة أصلاً بهذا الشكل الكرنفالي السياحي (3).. بهرجة تليق بمزاج ثقافي طبقي تغلب عليه الشكلانية وحب البهرجة..الفرق رهيب ليس فقط بين الرجلين كمطربين لهما جمهور على الساحة ، بل بين اللضم الذي يبقى عملية فنية مقارنةً بالرص الذي يمكن لأي شخص عادي بل متواضع الموهبة أن يفعله ،وبسهولة..

وسيتهمني البعض بالانتقاص من "حمزة نمرة" والنفسنة من نجاحه "المدوي".. وأرد بالقول بأنه لولا الربط بين أغانيه والثورة ، وحاجة الناس للشعور بالمزاج الثوري هي التي أبقته في الواجهة ليس إلا ، وحين كان يتم تلقي الأعمال الفنية عامة والموسيقية خاصة بشكل أهدأ لم نحسه ولم نحس به.. مرة أخرى .. لن تكون المقارنة بين "منير" و "حمزة" في صالح هذا الأخير ، "حمزة" وجد تهليلاً وتشجيعاً غير عادي كصاحب أي Hit تروق للبعض ، وسينساه الجميع وسينسوها بسهولة (اللي يشوف "علي حميدة" يقولنا هو فين دلوقت)، في الوقت الذي كان ينتقد فيه "منير" وقت أن كان في سنه يُهَاجَم ويحظى بسخرية عنيفة فيما يختص بموسيقاه وطريقة وقوفه على المسرح وحتى ملابسه ، وأصبحت أعماله بعد عقدين يعاد اكتشافها ، وبقي هو من أبناء جيله -مع احترامي الشديد لـ"الحجار"- واختفى الآخرون..
(1)ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه اسمه "طلعت زين" عاش حياته كلها مطرباً غربياً فلم يخرج علينا بمحاولة غناء "الأطلال" مثلاً ليقينه بأنه لا يجيد في هذا اللون فتذكره الناس بالخير بعيد رحيله..
(2) وإن كانت "شجر الليمون" في نفس ألبوم "مشوار" تعجبني جداً ، وكانت رؤية جيدة جداً للأغنية الجميلة في نسختها القديمة..
(3) ..وستندهش عندما تعلم أن ممن هلل للأغنية ولهذا الاستخدام لتيمة حزينة بهذا الشكل هم من انتقدوا "أشرف محروس" بسبب توزيع أغنية "فاليري جيسكار ديستان" من فيلم "الفاجومي" بل ووصف بعض هؤلاء ذلك التوزيع بأنه "على طريقة اللمبي" .. رغم أن الأغنية الأصلية مزاجها ساخر ، وتوزيع "محروس" سار في نفس الاتجاه دون أن يغير من جوها .. بل أرى أنه "نَطَّقها" أكثر..
* الصورة من موقع "المشهد"..

3 comments:

El3agoz said...

السلام عليكم

وددت أن أسجّل مروري هنا وقراءتي لنقدك الفني الهام..أشكرك على صراحتك وأعدك أنني سأعيد التفكير فيما كتبته وسأجتهد أكثر فيما أقدمه لعل الله يكتب لي استمرار الأثر

تقبل تحياتي

والسلام
حمزة نمرة

قلم جاف said...

وأنا بدوري أسجل تحية تقدير واحترام لفنان انتقدته لكنه متفتح على كل وجهات النظر ويتمتع بسعة صدر عالية وأفق واسع..

خالص تقديري..

Zakert.El2ghane said...

لى تعليق بسيط جدا وليس تحيزا لاحد ضد احد
حمزه نمره اجتهد فى تلك الاغنيه من عده اوجه برأيى
1- استخدامه تلك التيمه الفللكوريه المشهوره فى وقت اصبح مطربونا يتملصون منه ويلجأون الى تيم فللكوريه من بلاد اخرى ومن نمط موسيقى غير موسيقانا وهم اقدر ععلى فعل هذا خصوصا ان جمهورهم سوف يتقبل هذا ولا يفعلون

2-الكلمات اجتهد شاعرها محمد السيد فيها كثيرا خصوصا وانه لعب على وتر نبذ العنصريه التى نراها فى تعاملنا الحياتى مثلا مع شخصيه الصعيدى

3- اداء حمزه نمره كان موزونا جدا ومتسقا مع الاغنيه خصوصا فى تقليده للهجه الصعيديه صحيح ان اللكنه جائت قاهريه اكثر لكن وانت تعرف يا عزيزى ان صوت القاهره فى الغناء هو الشائع لكن حمزه ادى المقطع بشكل رائع ودون تهكم

4- محاوله الزج بالمقارنه بين نص مولانا فؤاد حداد فى عقد الفل والياسمين وبين نص اغنيه حمزه نمره لن تشفع لاغنيه حمزه نهائى فالفارق واضح جدا بين اغنيه تتغنى بحب الوطن من اسكندريه لاسوان بشكل غير مرتب كماذكرت وبين اغنيه تعيد تشكيل تماسك وطن ينهار فى وقت نحتاج فيه الى هذا الغرض من النصين لم يكن واحدا فى رايى