Saturday, September 01, 2012

وحش طوروس

مقدمة: من قرأ منكم مسرحية "وحش طوروس" للكاتب التركي الراحل "عزيز نسين" ورأى خطأ في الآتي بعد يخص قصة المسرحية فليصحح لي ، بما أنني والحمد لله فشلت في العثور على ملخص محترم للمسرحية على الإنترنت يروي قصتها على العكس من مسرحيات أخرى كثيرة أسعدني الحظ بالعثور على تفاصيلها ..

أعرف "وحش طوروس" من الفيلم المصري المقتبس عنها "أقوى الرجال" ، الذي كتب السيناريو له الراحل "بسيوني عثمان" وأخرجه "أحمد السبعاوي".. وفكرة الفيلم - التي "أشعر" أنها تشبه المسرحية إلى حد كبير - تتلخص في رجل مسالم جداً -"زكي" (=الذي لعب دوره "نور الشريف") - الذي يعمل محصلاً بشركة النقل العام ويحاول صاحب البيت طرده من الشقة ، وتتحول حياته إلى جحيم عندما يقبض عليه البوليس بحجة أنه يشبه "الوحش" (=الذي لعبه "خليل مرسي") المجرم الخطير وصاحب السوابق لشدة الشبه بينهما ، ورغم ثبوت براءته إلا أن الناس تتعامل معه على أنه الوحش ، تتغير معاملتهم له ، وبعد أن كانوا يهزأون به ويسخرون منه أصبحوا يخافوه ويعملون له ألف حساب ، مما يثير غضب الوحش الحقيقي وعتاة المجرمين الذين اكتشفوا أن "زكي" ليس الوحش ، ومع محاولتهم قتل ابنه واغتصاب زوجته يتحول "زكي" المسالم إلى وحش حقيقي لا يكتفي بقتلهم بل يذهب إلى الوحش نفسه ويقتله.. الغريب أنه حتى في فينال الفيلم يلمح "الوحش" الحقيقي أنه كان هو الآخر إنساناً طيباً ومسالماً قبل أن يتحول إلى مجرم.. وكأن الأمر أشبه بحلقة مفرغة..

يصنف "نسين" على أنه من أشهر كتاب الكوميديا السوداء ، المبنية على مفارقات مضحكة مبكية في نفس الوقت ، كتلك التي نراها في مسرحيته و/أو الفيلم المأخوذ عنها ، أن يتحول شخص مسالم للغاية و"غلبان" لمجرد شبه مع شخص آخر إلى مجرم تنسج حوله الأساطير خاصةً فيما يخص قوته وشره المستطير..

عن نفسي لو أردت إعادة هذا الفيلم الآن لأعدته بطريقة مختلفة ، هي تقريباً الطريقة التي ينفذ بها هذا الفيلم في الواقع ، لن يكون هناك "زكي" ، بل مجرم حقيقي ، ليس بالتأكيد "الوحش" ولا واحد على ألف منه ، ولا يشبه أي وحش ، فالوحش في هذه الحالة غير موجود ، يصنعه الجهل بمشاركة وحوش السياسة الحقيقيين بصحفهم وقنواتهم ، والناس تصدق بسرعة ، ويا سلام لو أوصلت لهم الكذبة في صورة حدوتة أو أسطورة يحكون بها ويتحاكون.. الناس طيبين قوي قوي ياخال وبيصدقوا آساحبي.. وكيف لا ونحن هواة صناعة الأساطير ، نفعل بها كما نفعل بالتاريخ الحقيقي ، نصنع منه صنماً من عجوة ، وحين نجوع نأكله..

"صبري نخنوخ" بلطجي ، مجرد بلطجي ، قد يكون من القطط السمان في عالم البلطجة والإجرام لكن ليس إلى الدرجة التي تجعله متهماً في جريمة القديسين ومجزرة بورسعيد وقتل المتظاهرين وربما تفجير برجي نيويورك وهزيمة "عرابي" .. القبض على أي بلطجي ومعاملته كبلطجي (وليس كما يفعل "البعض" الذين يرفعون بلطجية الصالات إلى مصاف سجناء الرأي ومعتقليه) بالتأكيد خبر سار وباعث على التفاؤل خاصةً لمن يعتقدون أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً حتى يعود الأمن إلى الشارع المصري ، وبالتالي فإن سقوط أي بلطجي ، ولو حرقاً كما حدث مع بلطجي "عزبة البرج" ، هو أمر مثير للتفاؤل لدى الناس (حتى مع رفض كثير منهم لطريقة عقابهم شعبياً كما حدث في "عزبة البرج" ومن قبل في محافظات عدة)، من حيث أن "البلطجية نقصوا واحد"..

لكن إعلام المصالح ، من وراءه ممن يصممون على لعب السياسة بطريقة "الشغل الشمال" -مع الاعتذار للمجرمين- رأى أن الوقت مناسب لصنع أسطورة ، بكل ما تحمله الكلمة من معان ، تصلح ربما لعمل فيلم هابط عنها بعد سنوات ، أسطورة يحكي الناس عنها ويتحاكون ، مع اللعب طبعاً على وتر كراهية الناس البلطجة (والتي اعتمد عليها بعض رموز "إياهم" في توطيد نفوذهم قبل أن يعلنوا أنهم الثورة والثورة هم) ،وتسمع كلاماً من عينة "دة صنييييعة النظام الساااااابق" (والواقع بيقول إن النظام السابق ساعد على تواجد تربة خصبة ليهم ، لكن اللي ضد قوانين البلطجة خدموهم أكتر من "مبارك" واللي معاه) ، "دة كان صاحب "مبارك" وصديق للعائلة المباركية" ، مع الإسهاب في حجم علاقاته "دة له علاقة بالفنان الفلاني والفنان العلاني ولعيب الكرة الترتاني" (حتى لو اتشاف معاهم في الشارع بالصدفة)، وإن لم تكن الحكايات الحقيقية كافية نلهم الآخرين لتأليف حكايات "أوسع" ، تضفي عليه قوة خارقة لم تتوافر لأي "سوبر هيرو"، وأهو كله في خدمة "الحكيوة" التي تسلي الناس وتلهيهم وتخدرهم "دة عنده أسدين" "دة مربي ديناصور صغير في الجنينة" ، وربما يتم تحويله من قبل "إياهم" بعد نهاية المصلحة إلى "أدهم الشرقاوي" أو "عزت حنفي" أو حتى "علي الزيبق"، ولهؤلاء سوابق مع "متهمين" منهم "مجرمين" أعلنوا (="إياهم") براءتهم قبل المحاكمات كما لو كان مكان تلك المحاكمات هو شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد.. ولن يعدموا إيجاد مبرر ولو كان مفتعلاً لتحويل "وحش طوروس" إلى "زكي الطيب" مرة أخرى.. "ليه قبضوا عليه دلوقتي" "همة عايزين يلفقوا له تهم" "دة أكيد يعرف حاجات كتييييييير وحيموتوووووووه علشان ما يقررررررش" "دة مش بلطجي أصلاً" .. "دة برييييييييييء" "دة صفقة عملتها الداخلية" (فاكرين "أخبار سفكة البلالين إيه"...الخ؟)..

كما يقول المدبلجون (بكسر اللام) في المسلسلات التركية : "حاج بقى ، اصحك بقى ولا.. بيكفي بنوب" ، يكفينا أفلامانات وتحويلات من "زكي الطيب" إلى "وحش طوروس" وبالعكس.. لقد وجعتنا أقفيتنا وأصابنا الملل ، نريد أن نرى شيئاً واحداً قبل أن نموت في حجمه الطبيعي ، حتى لو كان "صبري نخنوخ"..
* الصورة لـ"نخنوخ" مبتسماً من "مصراوي" ..

4 comments:

I.G.B said...

كلما رأيت سلوك المصريين -وأنا منهم- تجاه بلطجي عاتي أو مجرم خطير ،هالني كم التقدير والاحترام الذي ينشره حوله دونما أي سبب سوى أنه له سطوة الاعتداء على نفوس الاخرين .. والمدهش - وهذا تأييدا لما عرضت من وجهة نظر - أن نخنوخ لم يخرج عن هذه القاعدة ولن يخرج عما وصفته في مقالك المفيد لأن تغيير هذه الفكرة يحتاج لتغيير أفكار كل المصريين

قلم جاف said...

أزيدك من الشعر بيت :

جزء من هذا الانبهار بأي بيه مجرم يأتي - ولكن صرحاء - نكاية في الدولة لا حباً فيه ، النصاب الفلاني ذكي وعبقري لأنه ضحك على الحكومة وما أدراك ما الحكومة ، البلطجي الفلاني قوي وفتوة لأنه بقي لأطول فترة ممكنة دون أن تطاله يد الشرطة ، تاجر المخدرات الترتاني أسطورة لأن تسليح بلطجيته أقوى من تسليح ضباط الشرطة ، وهكذا..

على مدى الثلاثين عاماً الماضية كنا أمام خطابين إعلاميين متطرفين ، الأول يتطرف في تقديس النظام السياسي (المباركي وقتئذ) ويصوره كحامٍ للبلاد أمام كل الفزاعات التي تعاقبت على مصر من وجهة نظر إعلام الحزبوطني .. والخطاب الثاني يتطرف في كراهية الدولة لكونه ممولاً من رجال أعمال يرى بعضهم في الدولة القوية عائقاً لطموحه ، وآخرين لديهم تجاه الدولة - وليس النظام - نوع من "النفسنة" والحقد الأسود والكراهية المدمرة ، وجزء كبير من تدخل هذا الصنف الثاني في الشأن السياسي وعملية صياغة الدستور هو محاولة لصنع دولة "مخوخة" بغطاء مواطنة براق يتيح لهم بسط نفوذهم وممارسة "النخنخة" على الدولة المصرية بمن فيها..

ومع الخطاب الثاني طبعاً ، بما دعمه من تقارير وبرامج وحتى أفلام ، أصبح من الطبيعي أن يتم تحويل البلطجي ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، إلى أسطورة ، خاصةً إن كانت الحكومة في يد تيار لا ترضى عنه قوى المال السياسي ، سواء كان الإخوان أو الشيوعيين حتى..

astor totor said...

أنا عندي نسخة ممكن ابعتهالك

قلم جاف said...

أكون شاكر جداً :)

والميل أهه :

shero1234eg@yahoo.com