Monday, November 05, 2012

فضة المعداوي

خلافاً للكثيرين ، أرى أن دور "فضة المعداوي" التي لعبته الراحلة الكبيرة "سناء جميل" هو الأصعب طوال مسيرتها الفنية ، وأحسب أنه تطلب منها مجهوداً كبيراً كممثلة..

مسز دولار ، سيدة جاهلة أمية أصبح معها مبلغ من المال، تفنن المسلسل في تقديم جوانب سوقيتها وماديتها وفجاجتها وهوسها بالسيطرة على كل شي ، في شكل يعيد للأذهان شخصية "جمال إسماعيل" في "السكرتير الفني" لكن بطبعة الثمانينيات الصالحة لكل زمان ومكان ،قُصْر الكلام ، قررت تلك السيدة في حين غفلة شراء قصر كانت نفسها تهوي إليه وهي صغيرة ، بغرض تحطيمه وتحويله إلى برج أو مول تجاري بلغة اليوم ، لا تأبه لحسابات "مفيد أبو الغار" التي تتحدث عن قيمة الشيء لا عن سعره ، والتي ترى في الدنيا أشياءً أبعد من حسابات البيع والشراء والحساب بالمليم..

مسلسل "الراية البيضاء" الذي عرض في التليفزيون المصري لأول مرة قبل ما يقرب من الربع قرن ، حافل بالعديد من الرموز والإسقاطات ، ولعله كان أكثر أعمال الراحل "أسامة أنور عكاشة" احتواءً على رموز من باقي ما كتب للتليفزيون من مسلسلات طوال تاريخه الدرامي الطويل ، وتشعر بعد ربع قرن من الزمان أن أحداثه ما زالت تجري الآن ، وإن اختلفت الشخوص ،والأماكن ..”مفيد أبو الغار” وفريقه ، “فضة المعداوي” وفريقها ، علاقة الحب التي تربط “فضة” بـ”مفيد أبو الغار” من جانب واحد كرمز لطموح “فضة” في أن تحسب نفسها على طبقة لا تنتمي إليها ، علاقة تحولت كما تتحول أي علاقة حب عكسياً إلى رغبة في التدمير والإذلال بأي شكل وبأية وسيلة ، حتى اسم المسلسل نفسه مستوحى من لغة الحروب على أساس أن “الراية البيضاء” هي علامة الاستسلام..

المال السياسي لا يختلف كثيراً عن السيدة "فضة المعداوي" ، إقطاعيو ما قبل 1952 كانوا يتعاملون مع الثقافة وما يقرب إليها من قول أو عمل بأسلوب أقل فظاظة وفجاجة ، بل كانوا يعدون الوجاهة الثقافية ضمن مكونات ما ينبغي لنبيل من الأسرة المالكة أو من يسعى لأن يحسب نفسه على طبقة النبلاء.. وكان من العادي أن تقوم أسر كبيرة بتسفير أبنائها للتعلم في الخارج والنهول من الثقافة الأوروبية بما كان لها من تفوق ، وبما كان لها أيضاً من وجاهة إعلامية تلخصها العبارة المصرية الدارجة "ألا فرانكا" ، وقدمت تلك الأسر نماذجاً للثقافة الأوروبية الغربية بما لها وبما عليها..

الفرق الوحيد بين "فضة المعداوي" وبين المال السياسي المصري الحالي بسيط ، أن المال السياسي أبى إلا أن يؤثر ويحكم ، طموحه أبعد من مساحة فيلا بها نقوش نادرة ومكتبة بها أمهات الكتب وأشياء من التي يراها المثقفون -وحدهم- بالعين المجردة كما يعتقد أمثال "فضة" ، إذا كانت معركة فيلا "مفيد أبو الغار" هي محاولة لاستعراض القوة ، وأن أموال الست "فضة" تستطيع أن تفعل أي شيء وقتما تشاء وتريد ، فإن معركة الاستيلاء على بلد بأكمله ، وتغيير قواعده وقوانينه بما يناسب المزاج والمصلحة والكيف لا تقل لدى هؤلاء عن فيلا "أبو الغار" بالنسبة لها..

والمضحك أن المال السياسي المصري يتحدث عن الثقافة كأحد حماتها ، بشكل يذكرنا بمشهد مؤتمر "فضة المعداوي" الانتخابي ، أحد أعلى نقاط الضحك في المسلسل ككل ، وهي تتحدث عن الثقافة ، والاسكندر ذو القرنين ، وهتيفتها يهتفون بشكل كوميدي من ورائها إعجاباً بالدرر التي تطلقها السيدة "فضة" من لسانها .. وبعيداً عن "ذو القرنين .. ذو القرنين" ، و"حياة الناس .. حياة الناس" يصفون أنفسهم بأنهم حماة الفكر والثقافة والفنون ، وهم يخدرون عقول الناس بإعلام لا يفكر ولا يساعد على التفكير ، نسخة أخرى من الإعلام الشمولي التلقيني الذي يقدم نفسه كمالك حصري لحقوق بث الحقيقة ، ولا يتعامل بسماحة ولا بسماحية مع أي مساحة نقد توجه له ولخطابه ، ويميل إلى تخنين وتخوين المخالف والمختلف..

نهاية مسلسل "الراية البيضاء" الذي نعيشه لا يعلمها إلا الله عزوجل ، وإن كان مشهد المواجهة بين مجتمع وبين زكائب المال التي تسعى لحكمه قد اقترب ، وربما أقرب مما نتخيله أجمعين.. فكروا فيها بعيداً عن اتهامي بحشر "المال السياسي" في أي جملة مفيدة .. وااايا حامووووووو.. التمساحة يالة..
* الصورة من "إيجي ستارز"..

No comments: