Thursday, November 01, 2012

ساعة ونصف

لم يكن لي أحد فيمن قضوا في قطار الصعيد عام 2002 ، لكني كنت واحداً من آلاف المصريين الذين غلوا عضباً مما حدث ، واعتبروه ليس بالأمر الهين كما تم تصويره لاحقاً ، بل وممن مثل لهم الحكم ببراءة جميع المتهمين ثم عدم محاسبة الوزير الفاشل وربما الفاسد السابق الذي كان في منصبه وقت احترق القطار صفعة مدوية وعنيفة على أقفيتهم ، ضعف ما سببه مهرجان البراءة للجميع في أحداث جمعة الغضب ، كانت تلك الحقائق جزءاً كبيراً من فضولي لمشاهدة فيلم "ساعة ونصف" الذي أبدع فيه مؤلفه "أحمد عبد الله" ومخرجه "وائل إحسان" ويمكن تصنيفه كأحد أفضل أفلام العام في موسم سينمائي عجيب..

للتنويه ، لم يتناول الفيلم حادثاً بعينه من الحادثين ، هو فقط افترض أن الأحداث وقعت قبل الثورة ، بلعبة بصرية بسيطة تظهر فيها قصاصة جريدة في بداية الفيلم تتحدث عن الاهتمام "المصطنع" بعبارة "السلام" ، أي أن الأحداث وقعت بعد العام 2006 ، وبالتالي فإن المقصود ليس المحرقة التي حدثت قبل عشر سنوات ، وربما ليس قطار العياط الثاني ، الخطأ المنطقي الوحيد في الفيلم كان مشهداً لـ"سوسن بدر" وهي تلعب على جهاز تليفونها المحمول لعبة angry birds رمز المرحلة الحالية!

حاول "أحمد عبد الله" أن يقدم فيلماً تدور أحداثه في نفس فترته الزمنية ، ساعة ونصف ، أمر يشبه ما يحدث في مسلسل "24" الشهير ، لم يعد تقديم عدد كبير من الشخصيات في مكان وحيز زمني ضيقين بالمغامرة بالنسبة له ، لأنه فعل أموراً مشابهة في مشروعيه السينمائيين مع "سامح عبد العزيز" .. وبرغم نضج "سامح" كمخرج إلا أن خبرة "وائل" كانت أكبر بشكل جعلت ذلك الفيلم يخرج مختلفاً..

صحيح أن كتابة الفيلم عابها النزعة المسرحية ، والمونولوجات المطولة لبعض الشخصيات ، بشكل يجعلك أمام عمل مسرحي أكثر منه سينمائي ، لكن "أحمد عبد الله" سيطر على الإيقاع ، وكان له حساباته التي أثبتت صحتها : المسافة بين "محطة مصر" وبين المنطقة التي تم خلع القضبان فيها قريبة من مسافتها في الفيلم طولاً وزمناً ، وبالتالي لم يعرف الركاب أن القضبان قد تم نزعها إلا في هذا التوقيت الذي فشلوا معه في عمل أي شيء حياله.. وبالمناسبة ، يحسب لـ"عبد الله" أنه لعب على حبكة كيفية الحدوث وليس حبكة الحدث ، تماماً كما فعل "عبد الحي أديب" في فيلم "الطاووس" البوليسي ، القطار كان سينقلب سينقلب ، بطريقة أو بأخرى ، وبالتالي حاول أن يظهر للناس كيف سيواجه هؤلاء مصيرهم..

لا أعرف إن كنتم ستوافقوني أم لا على فكرة بعينها : تعامل "أحمد عبد الله" و "وائل إحسان" مع الفقر يختلف عن تعامل "ناصر عبد الرحمن" و "خالد يوسف" معه.. تعامل "عبد الله /وائل إحسان" جاء أهدأ ، وأكثر إنسانية ، وأكثر اعتماداً على لغة الصورة ، من أول دقيقة لآخر دقيقة ، وربما كان تتر الفيلم واحداً من أكثر تترات الأفلام المصرية في السنوات الأخيرة تعبيراً عن الجو والمناخ المسيطرين على الفيلم ، بدءاً بقطع على مشاهد طحن "الطعمية" وتحميرها ، على مشاهد لمحطة القطار والركاب المسطحين أعلاها من شدة الفقر ، أما "خالد يوسف" كمؤلف وكمخرج ، حتى عندما يخرج نصوصاً للغير ، يبدو تعامله زاعقاً مباشراً تحريضياً ، ولو كان تحريضياً على شيء معقول لأمكن لأمثالي فهمه وتفهمه.. تذكروا "حين ميسرة"..

والفقر هو القاسم المشترك بين تسعين بالمائة من شخصيات الفيلم ، إن استثنينا "أحمد الفيشاوي" الشاب المتفرنج الذي ضبط يقبل فتاة أجنبية في الطريق العام ، و"سوسن بدر" و "ابنتها" في الفيلم "آيتن عامر" ، فيم ينتمي ركاب القطار الآخرين ، وحتى الغفير الذي من مهمته حراسة القضبان (لعب دوره الكبير "أحمد بدير")، وأشرار الفيلم عصابة سرقة القضبان ("أحمد فلوكس" و "محمد عادل إمام" وآخرين) إلى مواطني الدرجة الثالثة الذين يركبون قطار الدرجة الثالثة ولا يشعر بهم أحد من المثقفين أو الساسة أو الناشطين لا سمح الله.. ركاب القطار هم الضحايا الحقيقيين للمباركية أكثر من مجرد شاب تم تعذيبه في القسم ، الرائع "إياد نصار" الذي تحول من الكفاح السياسي في الجامعة إلى بيع كتاب سخيف اسمه "رسائل حب" ، وكادت أعين الحضور معي أن تدمع في مشهد جمعه بالكبيرة "كريمة مختار" وهو يحاول أن يخبرها بأن ابنها يريد أن يلقيها في أقرب دار للمسنين ، "أحمد السعدني" بائع الشاي الذي يخاف على ابنه أكثر من حياته وكان مشهد موته في نهاية الفيلم مأساوياً للغاية ، "محمد رمضان" و "كريم محمود عبد العزيز" اللذان تعرضا لعملية نصب كبيرة ممن أوهموهم أنهم سيسفرونهم للخارج ، ويحملون هم مواجهة أهاليهم ، حتى "عبد العزيز" (لعبه "فتحي عبد الوهاب") بسيط التعليم الذي يغار من زوجته في الفيلم ("يسرا اللوزي") الطبيبة ويرفض سفرها في منحة ، ولكنه يفخر بها عندما تسعف "سوسن بدر" من غيبوبة السكر.. حتى الشرطي الفاسد خفيف الظل الذي يحاول استغلال السجين لكي يزوجه من أخته.. خليفة "جورج سيدهم" في الملاعب "ماجد الكدواني" ابتسامة الفيلم الوحيدة.. وليس من نجوا من ركوب القطار أيضاً ببعيدين عن المباركية التي دهست حياتهم وأحلامهم كما يدهس القطار سيئي الحظ على القضبان..

أتفق بالتأكيد مع ريفيو موقع "في الفن" على أن القصص كانت أكثر عدداً من اللازم ، وأضيف أن بعض الجمل الحوارية جاءت مسرحية ولم يكن ينقصها إلا "ميزانسينات" المسرح ، لكن تلك الكثرة ، والتنقلات بين الشخصيات ولو بشكل عرضي ، أفادت الفيلم وجعلت رواد صالة العرض السينمائي الذي شاهدته فيها في قلب القطار..

كان "وائل إحسان" عقلانياً وهو يعرف أن فيلمه ليس الفيلم الوحيد الذي تم تصوير أحداثه أو معظمها داخل قطار ، وبالتالي فإن تعامله مع القطار سيختلف عن التجارب السابقة ممثلة في فيلم "قطار الليل" (1953) (تصنيفه حركة وجريمة)، و"القطار" (1986) (أقرب لأفلام الكوارث التي انتشرت في تلك الفترة) ، ونهايةً بـ"أنا وأنت وساعات السفر" (1989) (رومانتيك كوميدي) ، أدرك أن لكل نوع وقالب أثره في التعامل مع القطار ، الذي يختلف تماماً عن قالب فيلمه التراجيدي ، بالتالي لم يشأ أن يحبس أنظار مشاهديه داخل القطار كي لا يصيبهم بالملل ، بل نقلهم في بعض الأحيان لخارجه ، كما في مشاهد الغفير والعصابة ، ليؤكد أن ما بداخل القطار مرتبط جداً بما يحدث بخارجه ، درامياً وإنسانياً أيضاً.. فمن كانوا داخل القطار لهم امتدادات وعلاقات على مختلف محطاته ، ليس فقط "الفيشاوي" الذي له أهل ومحامي ينتظرونه بالخارج ، حتى سائق القطار "محمد فريد" الذي كان أقل شخصيات الفيلم ظهوراً الذي يكتشف أن ابنته تعرف شاباً دون علمه ، ولم يكن من لم يركبوا القطار ببعيدين ، سواء كانت "هالة فاخر" التي تبحث عن علاج لابنها المعاق ، أو الشاعر والمطرب اللذان يبحثان عن فرصة في القاهرة ولكنها تموت في مهدها قبل أن تبدأ .. وعلى ذكر "خارج القطار" يحسب جداً للفيلم نقله المشاهد لعالم محطات القطار نفسها ، سواء محطة القاهرة أو محطة الحادث أو محطة الصعيد حيث ابنة السائق وصديقتها ، تلك الأماكن التي يراها المشاهد غير القاهري لأول مرة ، وإن لم يتعمق أكثر في "محطة مصر" حيث توغل فيلم من أكثر أفلام السينما المصرية إثارة للجدل إلى يومنا هذا "باب الحديد"..

لم تكن حبكة الفيلم المعتمدة على فكرة "حافة الهاوية" التي تتدرج فيها الأحداث سرعة وعنفاً إلى أن تصل إلى لحظة الانفجار (أشهر الأفلام العربية التي استخدمت تلك الحبكة "العار") وثراء الشخصيات وتصميمها فقط هي نقطة قوة الفيلم ، بل أضيفت إليها موسيقى "ياسر عبد الرحمن" الذي نجا من قطار الدراما المشتعل هذا العام ليقدم عرضاً مميزاً ، من ملامحه على سبيل المثال الإيقاع في تتر مقدمة وختام الفيلم ، والتي خدمت أيما خدمة العنصر البصري الذي قصده "وائل إحسان" في كل منهما.. والذي خدم بدوره فكرة الفيلم التي بدأت على مواطنين انتهت حياتهم كمانشيت في جريدة ، وانتهت على مواطنين آخرين انتهت حياتهم كمجرد مانشيت آخر في نفس الجريدة..

خرجت من الفيلم بعدة تساؤلات ، أهمها لماذا لم تقم الثورة بعد محرقة قطار الصعيد الأولى؟ ولماذا لم يتخذ إجراء بحق من تسببوا فيها سياسياً وجنائياً؟ هل تعرف الدولة المصرية شيئاً عمن يسرقون قضبان السكك الحديدية بتلك الطريقة التي حدثت في الفيلم ، أو للدقة التي نقلها الفيلم من الواقع؟ وماذا يمكن لأي اتجاه سياسي في مصر من الموجودين حالياً أن يفعل في مواجهة الفقر الذي صنع مأساة شخصيات الفيلم ومأساة آخرين من الذين لا تراهم عين الناشطين بالعين المجردة؟ أحتفظ لنفسي بإجابة السؤال الأخير..

الفيلم يمثل تصاعد الخط الذي بدأ بـ"كباريه" مروراً بـ"الفرح" ، وفي انتظار "الليلة الكبيرة" المغامرة القادمة للسيناريست "أحمد عبد الله" ، أقوى كتاب الجيل الحالي ملاحظة وأكثرهم ملامسة لواقع الناس من أسماء احترفت الإتجار والمتاجرة بهم.. مغامرة قد نجد فيها أسماء ممن شاركت في المغامرات الثلاث السابقة ، وإن كنت أتمنى مشاركة "إياد نصار" الذي أكد أنه النجم القادم للسينما المصرية بلا مبالغة..
* الصورة من موقع مجمل دوت كوم..

2 comments:

مدير التحرير said...

أبدعت في الوصف --------- شكراً

وظائف خالية said...

▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬▼▬
وظائف في مصر ▬◘▬ وظائف في الإمارات ▬◘▬ وظائف في السعودية ▬◘▬ وظائف في تونس
وظائف في قطر ▬◘▬ وظائف في ليبيا ▬◘▬ وظائف في الأردن ▬◘▬ وظائف في العراق
وظائف في اليمن ▬◘▬ وظائف في عمان ▬◘▬ وظائف في لبنان ▬◘▬ وظائف في الجزائر
وظائف في البحرين ▬◘▬ وظائف في الكويت ▬◘▬ وظائف في المغرب ▬◘▬ وظائف في سوريا
▬◘▬ وظائف في فلسطين ▬◘▬ وظائف في السودان ▬◘▬
▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬▲▬