Tuesday, July 12, 2011

صندوق الحقيقة


صحيح أننا جيل مدلل تكنولوجياً ، لأن ما عشناه حتى في طفولتنا ، بصراحة ، كان أكثر تقدماً مما كان يحدث في مراحل سابقة..

كان من "العادي" أن تصلك أخبار ما يحدث في العالم قبل 1934 في جريدة بعد أن يكون الحدث قد وقع بيومين أو ثلاثة أو أربع أو أسبوع ، وحتى بعدها ، كان المراسل الصحفي أو الإذاعي فيما بعد هو مصدرك الوحيد للمعلومة ، لم تره ، ولم تر ما قدم ، اللهم إلا صورة أو اثنتين على ما قُسُم ، أو تسجيلاً صوتياً يذاع بعد الحدث -برضه- بيومين أو أكثر.. كان ما يقوله ذلك المراسل ، أو ما تنشره تلك الصحيفة ، الحكومية (باعتبار تأميم الصحافة في أعقاب ثورة 1952) هو الحقيقة ، لأنه ليس للقصة وجه آخر ، ولأن الأستاذ يعرف أكثر..لأنه الوحيد الذي يرى ، إما لأن لديه من يرون ، أو لأن لديه رؤية يريد أن يفرضها على خلق الله..

مردنا على ظروف أفضل ، أعترف .. تليفزيون بقناتين انقسمتا ميتوزياً إلى عدد هائل من القنوات ، إشي متخصصة وإشي إقليمية ، وظهرت قنوات القطاع الخاص والمال السياسي ، أصبح لدينا اليوم عشر قنوات على الأقل وعشرة برامج توك شو (باعتبار أن لكل قناة برنامج واحد على الأقل وهذا غير صحيح لأن القناة لا تعد من ضمن القنوات إلا إذا كان لديها "توك شو"هـان أو أكثر)ـ وفي كلٍ تجد من كل أشكال وألوان المراسلين.. واقع كهذا يجعلك على مسافة قريبة جداً من الحقيقة..

لكن أن نصل اليوم ، بعد مرور ستة أشهر وقرابة نصف الشهر من العام الحادي عشر من الألفية الجديدة ، إلى نفس المستوى الذي كنا عليه من عشرات السنوات .. هذا ما يثير الغضب..

تصور أن إعلاماً يمتلك ، سواء الإعلام الرسمي أو "الخاص" ، كل تلك الإمكانيات ، ولا يقدم قبل الثورة أي رسالة بالصورة عن حادث كنيسة القديسين الإرهابي .. وتصور أن إعلاماً بنفس تلك الإمكانيات ، وبعد ثورة ، وبعد فك لقيود كثيرة كانت آصاراً محمولة على ظهره إلى أن "قتِّب" ، يعجز عن أن يقدم رسائل بالصوت والصورة عن خبر ما ، اللهم إلا صوت سيادته ، وتقرير سيادته ، حتى بعد أن دخل عنصر الفيديو إلى الصحافة ، كما يحدث حالياً مع "الشروق" و"المصري اليوم" و"الوفد"..

تماماً كأننا في عهد "الأخبار" و"الأهرام" و"الجمهورية" مع تغير الأسماء ، ما ينشر في تلك الجرائد حقيقة لا تقبل النقاش ، رغم أن الصحف المصرية باختلاف ألوانها ومشاربها ومواقعها الإلكترونية ضربت الرقم القياسي في أكبر كمية من الأخبار "المضروبة" التي ثبت كذبها فيما بعد.. وما يذاع في القنوات التليفزيونية التي يعمل بها صحفيون من نفس تلك الصحف هو أيضاً حقيقة لا تقبل النقاش ، والرأي الأوحد الصحيح والسديد..حتى لو رأيت بأم عينك العكس ، أو عثرت على أدلة تجعلك تسير في اتجاه مختلف تماماً لما يتردد ويقال ويذاع ويصرح ويُصْرَخ به!

لا تفهم إن كان ما يحدث كسلاً ، أو عواراً مهنياً فاضحاً ، أو رؤية مَن يديرون هذا العدد الهائل من العاملين في المجال الإعلامي كل في صحيفته أو في قناته أو حتى في موقعه الإلكتروني ، أو بمعنى أصح : لا تفهم إن كان الإعلام ، خاصةً شلة الـ(3-4-5) لا يستطيع تقديم أي صورة عن الحقيقة ، أم أنه لا يريد إلا تقديم ما يراه هو وتؤمن به قياداته..وفي كلتا الحالتين نحن نرجع إلى الخلف..ونحن الذين كان يهيأ لنا أن تحت القبة شيخ مكشوف عنه الحجاب..

أو أن العيب منا نحن ، الذين لم نتغير ، ولازلنا نتعامل مع الجريدة وكأنه لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، ومع التليفزيون وكأنه صندوق الحقيقة ، ولم يعد لدينا -وأقول هذا الكلام بكل أسف- الحد الأدنى من الجرأة أن نناقش أي وسيلة إعلام فيما تفعل وفيما تبث فقط لمجرد أنها تبث ما يتفق مع ما نهواه عاطفياً..

أتمنى أن أكون قد أوصلت فكرتي بشكل صحيح..
* الصورة من "محيط"..

4 comments:

اغانى الشتاء said...

الاعلام معظمه دلوقتى بتحركه مصالح لو مكانتش قيود
لسه وقت عقبال ما يبقى فى اعلام حر على التلفزيون لكن حد الوقت ده عندنا تويتر ربنا يخليه و لو انه بيحملالعديد من الاشاعات

قلم جاف said...

فكرتني بصديق كاتب في منتدى عن فكرة "استحالة استقلال الإعلام" .. اللي كتبه مهم وللأسف لا أنا لاقيه ولا لاقي صديقي اللي كتبه..

الحرية حتيجي من حاجات كتير منها فك رموز خريطة المصالح اللي بتحكم البلد دة ، سواء رجال أعمال أو غيرهم.. وجود نية لعمل إعلامي حرفي ، ناس تبقى شغلتها الخبر بغض النظر عن انتماءها أو اتجاهها من غير ما يتحول لتوجيه أو تلقين أو تدجين أو هباب الطين..

صحيح تحقيق حرية إعلامية مطلقة مستحيل نظرياً، لكن نصف العمى ولا العمى كله..

Me2 said...

إنتبه السيارة ترجع إلى الخلف
لو تتذكر مدونتي فراغ محيد و كيف أن أغلبية كتاباتي كانت عن الإنسان المصري أخلاقياته و قناعاته
أعترف أنني كنت مخطئة في نقد المصريين بهذا الشكل
فما أراه أسوأ بكثير الآن
مصر لا هتتقدم ولا هينصلح حالها طالما مازال الكدب و تغش و التدليس موجود جوانا إحنا في كل المجالات و خاصة مجال الميديا و الإعلام
أتمنى أن يأتي يوم يتخلص فيه الصحافة و التليفزيون من القيود على شرط ألا تكون هذه القيود قيود المصداقية أو القيود الأخلاقية

قلم جاف said...

أولاً حمد الله ع السلامة..

ثانياً.. الحرية بمفهومها الحالي واللي كان ناس كتير في الميديا عايزينه هو التخلص من أي شيء يمكن اعتباره قيد بما فيه المهنية والأخلاق..

كمية الفضائح المهنية والإعلامية في الإعلام المقروء لوحده تتحدى أكثر الخيالات سوداوية وتشاؤماً..