
لا يغب عن ذاكرتك نوعان من الأشياء : أكثرها جودة ، وأكثرها رداءة ..
خلال أسبوعين بالتمام والكمال بإذن الله سيظلنا رمضان ، وإذا ما ذكر - طبعاً - تذكر المسلسلات ، وبالأمس القريب عرضت الفضائيات مسلسلين عرضا لأول مرة في رمضان ، الأول هو رأفت الهجان ، والثاني هو العميل 1001.. وكما وعدت سابقاً .. سأتناول حافتي النقيض الدراميتين بشيء من الإيجاز..
الفرق الشاسع بين المسلسلين أكبر من الفرق بين النجاح الساحق والفشل الذريع ، إنه فرق بين مرحلتين مختلفتين في تاريخ الدراما في مصر ، مرحلة كانت تنتج فيها المسلسلات بشيء من التركيز ، في وجود عناصر فنية قوية ، وفق معايير محددة ، ومرحلة تنتج فيها المسلسلات بالكيلو ، ويتم تأليفها بالمتر ، والنجم فيها هو الزبون الذي لا ينطق عن الهوى ، كما سأتناول في تدوينة مستقلة في القريب العاجل جداً بإذن الله..
على مستوى "الورق" .. حصد صالح مرسي كل النقاط .. يمكن القول أنه كتب كل الشخصيات ، بما فيها الشخصية الرئيسة كروائي ، شخصيات مرسومة باليد وليس بالمسطرة ، شخصية رأفت الهجان مثلاً خليط غريب بين الوطنية والصعلكة والتمرد والدهاء والروح المرحة والحياة القاسية .. حتى الشخصيات المساعدة في معظمها كانت كذلك ، أبوة محسن ممتاز المخلوطة بعمله الأمني ، دهاء الخواجة صروف - الذي أداه الممثل الكبير الراحل نبيل الدسوقي بتمكن - ممزوج بمشاعر إنسانية تظهر عندما يتأكد من كون "ليفي كوهين" -الهجان يعني -هو ابن صديقه القديم بنيامين حنانيا.. باختصار تفاجأ بأن بالمسلسل شخصيات تتفق معها أو تختلف لكنها مرسومة بشكل جيد ، تتقاطع مع البطل ولكنها لا تهمش .. وتتذكرها كما تتذكره.. أما البطل في مسلسلات المنتج المنفذ فهو الكابتن ، وهو الذي يوقع على جميع التمريرات ، وهو الذي يسجل الأهداف بمفرده ، وباقي الممثلين مجرد كومبارس .. والسلام عليكم ورحمة الله!
العمل الناجح يرسي عدداً من القوالب والتقاليع التي يقلدها الآخرون .. أهم تلك القوالب في حالتنا تلك فكرة الشريحة التي صادفها الهجان من المجتمع اليهودي داخل مصر .. فقراء اليهود تحديداً وخاصةً المبهورين بحلم تكوين الدولة .. عصابات تهريب الأموال التي تعمل تحت ستار ..لم يخطر ببال صالح مرسي الذي توفي قبل ألف وواحد ببضع سنوات أنه سيظهر من يأتي بعده ليقلدها "مسطرة"..
نبيل فاروق ، كاتب العميل 1001 ، اسم يعرفه جيلنا جيداً جداً ، صاحب "رجل المستحيل" ، وهو أيضاً كاتب متخصص في شئون الجاسوسية ، توقعنا منه الكثير في عمله الأول ، لكنه اختار نوعاً صعباً من الدراما ليبدأ به مسيرته ، مغامرة تحتمل الفشل تماماً كما تحتمل النجاح .. خاصة وأنها تضعه في مقارنة مع الأب الروحي لأدب الجاسوسية العربي في رأي الكثيرين صالح مرسي.. صحيح أنه ليس من الإنصاف أن نذبح الرجل على عمله الأول ، لكن علينا أن نعترف أنه ارتكب عدة أخطاء جعلت صدمة عشاق رجل المستحيل كبيرة..
الأول هو أنه سار في كل الدروب التي سار فيها صالح مرسي في رأفت الهجان بالحرف الواحد ، حارة اليهود ، التجنيد ، وحتى الداخل الإسرائيلي، حتى وصل للمتفرج شعور أن هذا المسلسل هو تقليد مضروب لرأفت الهجان .. بل اضطر المتفرج للمقارنة بين الشخصيات واحدة واحدة .. مصطفى شعبان بمحمود عبد العزيز ، رياض الخولي بيوسف شعبان ، طارق لطفي بعادل أمين..وهلم جرا..
الثاني ، وسبق توضيحه ، هو المثالية المفرطة في شخصية البطل مصطفى شعبان ، قد يبرر البعض ذلك برغبة المؤلف في الكتابة عن "قدوة" حقيقية للشباب ، لكننا نتحدث عن دراما لها أصل واقعي .. وشخصيات الواقع لا يوجد بها مثاليون ولا ملائكة ..
الثالث ، الحوار ، جاء حوار 1001 عاطفياً ومبالغاً فيه ، المعروف أنه في كلامنا العادي هناك مساحات للقضايا العامة والخاصة ، للكلام في السياسة والعمل وكرة القدم والفن بحيث لا تطغى مساحة على أخرى حسب الموقف ، ستفاجأ بأن الكل في مصر يتكلم في السياسة عمال على بطال وفي كل وقت وحين .. قارنوا ذلك بمشاهد المقهى في الكرنك بعد النكسة .. لا تعليق..
الرابع، قال لي شقيقي وهو يتابع الحلقات أنه كأنه يشاهد مسلسلين في آن واحد ، اجتماعي وبوليسي ، ولو ركز المؤلف على أحدهما لكان الحال الأفضل .. بل إن التشتيت أحياناً يبلغ مداه أن ينقلك السيناريست والمخرج من مصر إلى إسرائيل وبالعكس .. على الجانب الآخر علينا أن نتذكر أن الهجان اعتمد على "الفلاش باك" .. ولذلك كان أكثر تركيزاً في السرد .. وأدق تسلسلاً .. بدءاً من مرحلة مصر ، ثم البداية في إسرائيل ثم الاستقرار هناك..وكانت النقلات في الزمان (1954 والفترة الحالية - حوار هيلين مع الجبالي) أو في المكان (تل أبيب - روما- القاهرة) محسوبة بدقة.. قارنوا ذلك وبين ما يفعله أحمد صقر - بالذات - في مسلسلات حقبة المنتج المنفذ التي أخرجها ( حديث الصباح والمساء وأميرة في عابدين) .. وكيف حول الفلاش باك لتقنية "سيئة السمعة" درامياً بفذلكته ورعونته المعتادتين..
الخامس وهو عيب مشترك في كل المسلسلات الجديدة ، "الوسع" الشديد في المسلسل ، كمية كبيرة جداً جداً من الشخصيات تكفي لتشتيت المتفرج وإصابته بالحول ولمط المسلسل وتطويله بشكل يتحدى قدرة الشخص العادي على الاحتمال ويبطئ من إيقاع المسلسل لدرجة الموت.. أمر لا يحدث في معظم مسلسلات ما قبل "لن أعيش في جلباب أبي"..
وكما كانت حسابات نبيل فاروق غير موفقة في اختياره لنوع الدراما الذي بدأ بها مشواره كسيناريست رغم كونه ناجحاً ككاتب صحفي متخصص ، كانت حسابات شيرين عادل غير موفقة في اختيار هذا النوع من الدراما للإخراج .. رغم إخراجها لـ"سارة" الذي كان واحداً من أنجح مسلسلات العام الماضي وألقى الضوء على معاناة نوع معين من المرضى النفسيين لم تقدم من قبل .. ولذلك ظهر ضعف القدرة على استغلال فريق التمثيل رغم ضمه لأكثر من ممثل مخضرم كرياض الخولي وعبد الرحمن أبو زهرة وأحمد خليل ..ضعف القدرة على استغلال موسيقى عمر خيرت وهو من كبار واضعي الموسيقى التصويرية المصريين حتى وإن جاءت تتراته وموتيفاته -صححوني في المصطلح إن أخطأت- غير موفقة بعكس التتر الرائع لمسلسل ملح الأرض الذي كتبه موسيقياً خيرت في 2004 ، ناهيك عن الأخطاء المنطقية القاتلة والتي من أهمها خطأ العلم المقلوب الذي اضطر المخرجة لإعادة تصوير المشهد بعد إذاعة المسلسل في سابقة تحدث لأول مرة في تاريخ الدراما المصرية!
أعتقد أن كل من كان ينتقد "الباقي من الزمن ساعة" و "الأفيال" و "رأفت الهجان" وكل أعمال الدراما المصرية حتى سنوات التسعينيات الأولى سيترحم على تلك الحقبة التي ضمت فنانين وكتاب ومخرجين كبار ، خاصة إذا ما شاهد افتكاسات نظام المنتج المنفذ ، الذي يفرز عشرات المسلسلات في العام مدة كل منها أربعين حلقة أو أكثر معظمها كربع جنيه مخروم ومزور ، في شكل يفوق بشاعة أفلام المقاولات التي سنت السيوف لمهاجمتها في وقتها..
أعتذر للإطالة ، ويبقى لنا كلام عن تفصيل المسلسلات في تدوينة قادمة بإذن العلي القدير..
* لقطة من المسلسل من جريدة الرياض السعودية